قبلَ نحوِ أربعةِ آلافِ سنة، قام ملكٌ بابليٌّ بما لم يَجرُؤ عليه حاكمٌ قبلَه. حَمُّورابي لم يكتفِ بسَنِّ القوانين — بل جمع ٢٨٢ قانونًا عن القتلِ والسرقةِ والطلاقِ وحتّى جُدرانِ البيوتِ المغشوشة، ونقشها على مسلّةٍ سوداء من أصلب أنواع الحجر ارتفاعها يتجاوز مترَين. ثمّ وضعها في معبدٍ ليراها كلّ من يمرّ. كأنّه أعلنها صريحةً: القانونُ لم يَعُد سرَّ الملوك. القانونُ صار مِلكَ الشارع.
على قمّة المسلّة مشهدٌ يختصر كلّ شيء. حَمُّورابي واقفٌ أمام شَمَش — إلهِ الشمس عند البابليّين، الذي يرى كلّ شيءٍ ولا تُفلِتُ منه كذبة. شَمَش يمدّ إلى الملك عصًا وحلقة، رمزَين قديمَين للسلطة الإلهيّة. المعنى لا يحتاج شرحًا: هذه القوانين ليست رأيَ ملكٍ واحد — إنّها تحمل ثِقَلَ السماء. وتحت ذلك المشهد، تمتدّ تسعٌ وأربعون عمودًا من خطٍّ مسماريٍّ ترسم حدودَ الحياة اليوميّة بتفاصيلها كلّها.
حَمُّورابي لم يكن فيلسوفًا يتأمّل العدالة من بُرجٍ عاجيّ. كان فاتحًا لا يرحم. حين اعتلى العرش حوالي ١٧٩٢ قبل الميلاد، كانت بابل مملكةً صغيرة مُحاصَرة بين ممالكَ طامعة. خلال ثلاثين عامًا سحقها كلَّها — بما فيها ماري، المدينة التجاريّة الثريّة على ضفاف الفرات التي هزّ سقوطُها العالمَ القديم. رسائله تكشف ملكًا يتدخّل شخصيًّا في خلافات الريّ ويلاحق المسؤولين الفاسدين. المسلّة كانت تُحفتَه — تُحفةُ رجلٍ مهووسٍ بالسيطرة على كلّ تفصيلة.
أشهر قوانينه هو القانون رقم ١٩٦: إذا فقأتَ عينَ رجلٍ حرّ، تُفقَأُ عينُك. العينُ بالعين — مبدأ تردّد صداه في التوراة والقرآن وكلّ محكمةٍ عرفها البشر. لكنّ ما ينساه الكثيرون أنّ العدالة في بابل كانت تُوزَن بميزانِ الطبقة. أَفقِدْ ثريًّا عينَه؟ تفقد عينك. رجلًا عاديًّا؟ تدفع غرامة. عبدًا؟ تدفع لسيّده. يقولون «ما كُتِبَ على الجَبين لا بدّ أن تراهُ العين» — وحَمُّورابي كتب القانونَ ليراه كلُّ إنسان. لكنّه لم يكتبه ليُعامِلَ كلَّ إنسانٍ بالتساوي.
بعض قوانينه تسبق عصرها بآلاف السنين. إذا بنى بنّاءٌ بيتًا رديئًا فانهار وقتل صاحبَه، يُعدَم البنّاء. وإذا أُسِرَ زوجُكِ في الحرب، فلكِ أن تتزوّجي غيرَه — وإن عاد، أنتِ تختارين أيَّ الزوجَين تُبقين. والمرأة التي تُثبت أنّ زوجها يُذِلُّها باستمرار لها الحقّ في أخذ مالها والرحيل. قبل أربعة آلاف سنة، كان للمرأة في بابل حمايةٌ قانونيّة من الإساءة العاطفيّة.
صمدت المسلّة في معبدها ستّة قرون كاملة. ثمّ حوالي ١١٥٨ قبل الميلاد، اجتاح ملكٌ عيلاميّ اسمه شُتروك ناخونتي مدينة سِبّار ونهب المسلّة غنيمةَ حرب. بدأ يُزيل اسم حَمُّورابي لينقش اسمه مكانه — لكنّه لم يُكمِل. بقيت المسلّة مدفونةً تحت التراب أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وإمبراطوريّات تقوم وتسقط فوقها ولا أحدٌ يعلم أنّها هناك.
في كانون الأوّل من عام ١٩٠١، كان عالمُ الآثار الفرنسيّ جاك دو مورغان ينقّب في مدينة شوش الإيرانيّة حين عثر على المسلّة. الاكتشاف هزّ الأوساط العلميّة. في العام التالي ترجم الراهب الدومينيكانيّ جان-فانسان شايل النصوصَ المنقوشة، فظهرت أوجهُ شبهٍ مذهلة بشرائع التوراة — وبالأخصّ سِفر الخروج. علماء كانوا يعتقدون أنّ شريعة موسى فريدة تمامًا وجدوا أنفسهم أمام ملكٍ بابليّ سبقها بأكثر من ألف عام.
اليوم تقف المسلّة في متحف اللوفر بباريس، لا تزال تشير نحو السماء كما أرادها صانعها. قوانينها لا تصلح لعصرنا — انحازت للأثرياء وأجازت عقوباتٍ لا نقبلها. لكنّ حَمُّورابي أهدى البشريّة فكرةً عَمَّرت أكثر من كلّ إمبراطوريّة: القانون يسبق الجريمة، والعقوبة يجب أن توازي الذنب، وحتّى الملك يخضع لسلطةٍ أعلى منه. نقش تلك الفكرة على أقسى حجرٍ وجده. بعد أربعة آلاف سنة، لم نَستطِع أن نأتيَ بأفضلَ منها.
