Skip to main content
تيجان وفتوحات·1/6·9
Photograph of Babylon

The place

Babylon

القانونُ المَنقوشُ على الصَّخر

حين نَقَشَ ملكٌ بابليٌّ ٢٨٢ قانونًا على مسلّةٍ سوداء وغيَّر معنى العدالة إلى الأبد

حوالي ١٧٥٥–١٧٥٠ ق.م (صدور القانون)؛ اكتُشفت في شوش، إيران، ١٩٠١–١٩٠٢Babylon

قبلَ نحوِ أربعةِ آلافِ سنة، قام ملكٌ بابليٌّ بما لم يَجرُؤ عليه حاكمٌ قبلَه. حَمُّورابي لم يكتفِ بسَنِّ القوانين — بل جمع ٢٨٢ قانونًا عن القتلِ والسرقةِ والطلاقِ وحتّى جُدرانِ البيوتِ المغشوشة، ونقشها على مسلّةٍ سوداء من أصلب أنواع الحجر ارتفاعها يتجاوز مترَين. ثمّ وضعها في معبدٍ ليراها كلّ من يمرّ. كأنّه أعلنها صريحةً: القانونُ لم يَعُد سرَّ الملوك. القانونُ صار مِلكَ الشارع.

على قمّة المسلّة مشهدٌ يختصر كلّ شيء. حَمُّورابي واقفٌ أمام شَمَش — إلهِ الشمس عند البابليّين، الذي يرى كلّ شيءٍ ولا تُفلِتُ منه كذبة. شَمَش يمدّ إلى الملك عصًا وحلقة، رمزَين قديمَين للسلطة الإلهيّة. المعنى لا يحتاج شرحًا: هذه القوانين ليست رأيَ ملكٍ واحد — إنّها تحمل ثِقَلَ السماء. وتحت ذلك المشهد، تمتدّ تسعٌ وأربعون عمودًا من خطٍّ مسماريٍّ ترسم حدودَ الحياة اليوميّة بتفاصيلها كلّها.

حَمُّورابي لم يكن فيلسوفًا يتأمّل العدالة من بُرجٍ عاجيّ. كان فاتحًا لا يرحم. حين اعتلى العرش حوالي ١٧٩٢ قبل الميلاد، كانت بابل مملكةً صغيرة مُحاصَرة بين ممالكَ طامعة. خلال ثلاثين عامًا سحقها كلَّها — بما فيها ماري، المدينة التجاريّة الثريّة على ضفاف الفرات التي هزّ سقوطُها العالمَ القديم. رسائله تكشف ملكًا يتدخّل شخصيًّا في خلافات الريّ ويلاحق المسؤولين الفاسدين. المسلّة كانت تُحفتَه — تُحفةُ رجلٍ مهووسٍ بالسيطرة على كلّ تفصيلة.

أشهر قوانينه هو القانون رقم ١٩٦: إذا فقأتَ عينَ رجلٍ حرّ، تُفقَأُ عينُك. العينُ بالعين — مبدأ تردّد صداه في التوراة والقرآن وكلّ محكمةٍ عرفها البشر. لكنّ ما ينساه الكثيرون أنّ العدالة في بابل كانت تُوزَن بميزانِ الطبقة. أَفقِدْ ثريًّا عينَه؟ تفقد عينك. رجلًا عاديًّا؟ تدفع غرامة. عبدًا؟ تدفع لسيّده. يقولون «ما كُتِبَ على الجَبين لا بدّ أن تراهُ العين» — وحَمُّورابي كتب القانونَ ليراه كلُّ إنسان. لكنّه لم يكتبه ليُعامِلَ كلَّ إنسانٍ بالتساوي.

بعض قوانينه تسبق عصرها بآلاف السنين. إذا بنى بنّاءٌ بيتًا رديئًا فانهار وقتل صاحبَه، يُعدَم البنّاء. وإذا أُسِرَ زوجُكِ في الحرب، فلكِ أن تتزوّجي غيرَه — وإن عاد، أنتِ تختارين أيَّ الزوجَين تُبقين. والمرأة التي تُثبت أنّ زوجها يُذِلُّها باستمرار لها الحقّ في أخذ مالها والرحيل. قبل أربعة آلاف سنة، كان للمرأة في بابل حمايةٌ قانونيّة من الإساءة العاطفيّة.

صمدت المسلّة في معبدها ستّة قرون كاملة. ثمّ حوالي ١١٥٨ قبل الميلاد، اجتاح ملكٌ عيلاميّ اسمه شُتروك ناخونتي مدينة سِبّار ونهب المسلّة غنيمةَ حرب. بدأ يُزيل اسم حَمُّورابي لينقش اسمه مكانه — لكنّه لم يُكمِل. بقيت المسلّة مدفونةً تحت التراب أكثر من ثلاثة آلاف سنة، وإمبراطوريّات تقوم وتسقط فوقها ولا أحدٌ يعلم أنّها هناك.

في كانون الأوّل من عام ١٩٠١، كان عالمُ الآثار الفرنسيّ جاك دو مورغان ينقّب في مدينة شوش الإيرانيّة حين عثر على المسلّة. الاكتشاف هزّ الأوساط العلميّة. في العام التالي ترجم الراهب الدومينيكانيّ جان-فانسان شايل النصوصَ المنقوشة، فظهرت أوجهُ شبهٍ مذهلة بشرائع التوراة — وبالأخصّ سِفر الخروج. علماء كانوا يعتقدون أنّ شريعة موسى فريدة تمامًا وجدوا أنفسهم أمام ملكٍ بابليّ سبقها بأكثر من ألف عام.

اليوم تقف المسلّة في متحف اللوفر بباريس، لا تزال تشير نحو السماء كما أرادها صانعها. قوانينها لا تصلح لعصرنا — انحازت للأثرياء وأجازت عقوباتٍ لا نقبلها. لكنّ حَمُّورابي أهدى البشريّة فكرةً عَمَّرت أكثر من كلّ إمبراطوريّة: القانون يسبق الجريمة، والعقوبة يجب أن توازي الذنب، وحتّى الملك يخضع لسلطةٍ أعلى منه. نقش تلك الفكرة على أقسى حجرٍ وجده. بعد أربعة آلاف سنة، لم نَستطِع أن نأتيَ بأفضلَ منها.

عبرة القصة

قبل حَمُّورابي، كانت العدالة ما يفرضه القويُّ على الضعيف. بعده صارت — من حيث المبدأ على الأقلّ — مكتوبةً ومرئيّة ومُلزِمةً للجميع. لم يكن قانونه عادلًا بمقاييسنا: ميَّز بين الطبقات، وعاقب الفقير أشدّ من الغنيّ، وأباح قسوةً لا نحتملها اليوم. لكنّه أرسى فكرةً ثوريّة: أنّ القانون يوجَد قبل وقوع الجريمة، وأنّ العقوبة يجب أن تتناسب مع الذنب، وأنّ حتّى الملك مُلزَمٌ بسلطةٍ أعلى من إرادته. تلك الفكرة، المنحوتة على حجرٍ أسود بلغةٍ ظلّت مجهولة ثلاثة آلاف عام، تبيَّنَ أنّها أعصى على الفناء من كلّ الإمبراطوريّات.

الشخصيات

ح
حَمُّورابي — الملك السادس لسُلالة بابل الأولى (حكم ١٧٩٢–١٧٥٠ ق.م)
ش
شَمَش — إله الشمس والعدالة، يُصوَّر وهو يسلّم حَمُّورابي عصا وحلقة المُلك
ش
شُتروك ناخونتي — ملكٌ عيلاميّ نهب المسلّة غنيمة حربٍ حوالي ١١٥٨ ق.م
ج
جاك دو مورغان — عالم آثار فرنسيّ اكتشف المسلّة في شوش عام ١٩٠١–١٩٠٢
ج
جان-فانسان شايل — راهب دومينيكانيّ ترجم النقوش وكشفها للعالم الحديث

المصدر

The Code of Hammurabi (Louvre, Sb 8); Scheil, Jean-Vincent. Mémoires de la Délégation en Perse, vol. 4, 1902 (first translation); Roth, Martha T. Law Collections from Mesopotamia and Asia Minor, Scholars Press, 1995; Van De Mieroop, Marc. King Hammurabi of Babylon: A Biography, Blackwell, 2005; Richardson, Seth. 'On Seeing and Believing: Liver Divination and the Era of Warring States,' in Divination and Interpretation of Signs in the Ancient World, Oriental Institute, 2010; Driver, G.R. and Miles, John C. The Babylonian Laws, 2 vols., Oxford, 1952-1955; Charpin, Dominique. Hammurabi of Babylon, I.B. Tauris, 2012; Laws of Ur-Nammu (c. 2100 BCE); Laws of Eshnunna (c. 1930 BCE)