Skip to main content
أشباح ولعنات·1/4·3
Photograph of Great Pyramids of Giza

The place

Great Pyramids of Giza

جِنُّ الأَهرام

أَرواحٌ حَبَسَها الفَراعِنَةُ في الحَجَر

العصر العربي الوسيط (يستند إلى تقاليد قديمة)Great Pyramids of Giza

كُلُّنا سَمِعنا بِلَعنَةِ الفَراعِنَة — تِلكَ القِصَّةِ الشَّهيرَةِ عَن مَقبَرَةِ توت عنخ آمون وَمَوتِ مَن فَتَحوها عامَ ١٩٢٢. لكِنَّ ما لا يَعرِفُهُ كَثيرون أنَّ عُلَماءَ العَرَبِ في القاهِرَةِ كَتَبوا، قَبلَ قُرونٍ مِن وُصولِ أيِّ أوروبيٍّ إلى تِلكَ المَقابِر، عَن شَيءٍ أَقدَمَ وأَغرَبَ بِكَثير. لَم يَكتُبوا عَن نُقوشٍ تَحمِلُ لَعَنات. كَتَبوا عَن حُرّاسٍ أَحياء — أَرواحٍ مِنَ الجِنِّ حَبَسَها الفَراعِنَةُ أَنفُسُهُم في الحَجَر، تَنتَظِرُ في الظُّلمَةِ كُلَّ مَن تُسَوِّلُ لَهُ نَفسُهُ الدُّخول.

أَدَقُّ ما وَصَلَنا مِن هذِهِ الرِّواياتِ جَمَعَهُ المُؤَرِّخُ المِصريُّ تَقِيُّ الدّينِ المَقريزي في القَرنِ الخامِسَ عَشَر. المَقريزي لَم يَختَرِع شَيئًا — بَل جَمَعَ حِكاياتٍ كانَت قَديمَةً حَتّى في زَمَنِهِ هُوَ، رِواياتٍ شَفَهِيَّةً تَعودُ إلى عَصرِ الفَراعِنَةِ أَنفُسِهِم. وبِحَسَبِ ما دَوَّنَهُ، لَم يَكُنِ المُلوكُ الذينَ بَنَوا الأَهرامَ مُجَرَّدَ بُناةٍ عِظام. كانوا أَسيادَ عِلمٍ آخَر. قَبلَ أَن يُغلِقوا مَقابِرَهُم لِلأَبَد، أَقاموا طُقوسًا استَحضَروا بِها الجِنَّ وَرَبَطوهُم بِالمَكان — حُرّاسًا لا يَشيخونَ وَلا يَموتون.

أَشَدُّ هؤُلاءِ الحُرّاسِ رُعبًا كانَت تَظهَرُ في هَيئَةِ امرَأَةٍ فاتِنَةٍ لا مَثيلَ لَها. كانَت تَأتي لِلرِّجالِ الذينَ يَدخُلونَ الهَرَمَ لَيلًا، وَكَفى أَن يَرَوها حَتّى يَتَحَطَّموا. كانوا يَخرُجونَ عاجِزينَ عَنِ الكَلام، لا يَعرِفونَ أَهلَهُم وَلا أَنفُسَهُم. بَعضُهُم هامَ في الصَّحراءِ وَلَم يَعُد أَبَدًا. القِلَّةُ الذينَ نَجَوا لَم يَستَطيعوا إلّا أَن يَقولوا إنَّ جَمالَها كانَ أَبعَدَ مِن أَن يَحتَمِلَهُ عَقلٌ بَشَري — كَالتَّحديقِ في الشَّمس، لكِنَّ الشَّمسَ تُعمي العَينَ فَقَط. هذِهِ كَسَرَت شَيئًا أَعمَق.

الحارِسُ الثاني كانَ صَبِيًّا بِجِلدٍ كَلَونِ العَسَل وَعَينَينِ ذَهَبِيَّتَينِ تَتَوَهَّجانِ كَالمَصابيحِ في الظَّلام. هذا الجِنِّيُّ كانَ يَستَهدِفُ لُصوصَ المَقابِرِ تَحديدًا. يَظهَرُ أَمامَهُم في الأَنفاقِ، دائِمًا عَلى بُعدِ خُطُوات — بَعيدًا بِما يَكفي لِيَتبَعوه، قَريبًا بِما يَكفي لِيُغرِيَهُم. يَقودُهُم في مَمَرّاتٍ تَتَبَدَّلُ وَتَنغَلِقُ خَلفَهُم. بَعضُ هؤُلاءِ اللُّصوصِ عُثِرَ عَلَيهِم بَعدَ سَنَوات — مَحبوسينَ في غُرَفٍ لا مَدخَلَ مَرئِيًّا لَها، شُعورُهُم بَيضاءُ تَمامًا، وَعُقولُهُم قَد ذَهَبَت إلى غَيرِ رَجعَة.

يَقولُ العَرَبُ «إذا جاءَتِ المَصائِبُ لا تَأتي فُرادى». لكِنَّ الفَراعِنَةَ لَم يَنتَظِروا المَصائِبَ — صَنَعوها ثَلاثًا بِأَيديهِم. الهَرَمُ الثالِثُ، هَرَمُ مَنقَرَع، كانَ لَهُ حارِسُهُ الخاصّ: شَكلٌ مَلفوفٌ في عَمودٍ مِنَ الرَّملِ الدَّوّار. حينَ يَمُرُّ في المَمَرّات تَموتُ كُلُّ شُعلَةٍ في لَحظَة. ظَلامٌ مُطلَق. وَفي ذلِكَ الظَّلام، أَصواتٌ بِلُغَةٍ ماتَت مُنذُ ثَلاثَةِ آلافِ سَنَة. مُستَكشِفو تِلكَ الحِقبَةِ أَخَذوا الأَمرَ بِجِدِّيَّة — كانوا يَقرَؤونَ القُرآنَ قَبلَ الدُّخول، وَيَتَعامَلونَ مَعَ هذِهِ الأَماكِنِ لا كَأَطلالٍ بَل كَشَيءٍ لا يَزالُ حَيًّا.

العِلمُ الحَديثُ يَرفُضُ كُلَّ هذا وَيُسَمّيهِ خُرافات. لكِنَّ الناسَ الذينَ يَعيشونَ وَيَعمَلونَ في ظِلِّ الأَهرامِ يَروونَ قِصَّةً مُختَلِفَة. الحُرّاسُ يَتَحَدَّثونَ عَن بُقَعٍ بارِدَةٍ في غُرَفٍ مُغلَقَةٍ لا يَدخُلُها هَواء. العُمّالُ يَسمَعونَ صَوتَ حَجَرٍ يَحتَكُّ بِحَجَرٍ في أَماكِنَ لا يَتَحَرَّكُ فيها شَيء. وَالجَميعُ تَقريبًا يَصِفونَ الإحساسَ نَفسَهُ: ثِقَلٌ لا يُخطِئُهُ أَحَد، شُعورٌ بِأَنَّ شَيئًا قَديمًا وَواعِيًا يُراقِبُك. أَربَعَةُ آلافٍ وَخَمسُمِئَةِ سَنَة مَرَّت، وَلا تَزالُ الأَهرامُ تَحتَفِظُ بِأَسرارِها — وَرُبَّما بِحُرّاسِها أَيضًا.

عبرة القصة

أَدرَكَ القُدَماءُ أنَّ أَعظَمَ الكُنوزِ تَحتاجُ أَشَدَّ الحُرّاسِ رُعبًا — وَلَيسَ كُلُّ حارِسٍ يُرى بِالعَين.

الشخصيات

ا
المَرأَةُ الفاتِنَة
ا
الصَّبِيُّ ذو العُيونِ الذَّهَبِيَّة
ر
روحُ الرَّمل
ا
المَقريزي (مُؤَرِّخ)

المصدر

المَقريزي، الخِطَط والآثار؛ الأدب التاريخي العربي في العصور الوسطى