فِي أَوشْفِيتْز، لَم يَكُن أَحَدٌ أَكثَرَ بُؤسًا مِنَ «السُّونْدِرْكُومَانْدُو». يَهُودٌ أَجبَرَتهُمُ قُوَّاتُ الإِس إِس النَّازِيَّةُ عَلَى تَشغِيلِ آلَةِ الإِبَادَة بِأَيدِيهِم — يَقُودُونَ إِخوَتَهُم إِلَى غُرَفِ الغَاز، ويَحمِلُونَ الجُثَث، ويَنزِعُونَ الذَّهَبَ مِن أَسنَانِ المَوتَى، ثُمَّ يُلقِمُونَ الأَفرَان. أَبقَاهُمُ الألمَانُ أَحيَاءَ — لَا رَحمَةً، بَل لِأَنَّ آلَةَ القَتلِ تَحتَاجُ سَوَاعِدَ قَوِيَّة. وكُلُّهُم كَانُوا يَعلَمُون: حِينَ يَرَونَ أَكثَرَ مِمَّا يَنبَغِي، يَصِيرُونَ هُمُ الوَقُودَ التَّالِي.
بِحُلُولِ خَرِيفِ ١٩٤٤، كانَتِ الحَربُ تَنهَارُ عَلَى ألمَانيَا النَّازِيَّة. الجَيشُ السُّوفْيِيتِيُّ يَزحَفُ مِنَ الشَّرق، وَقِيَادَةُ الإِس إِس بَدَأَت تَمحُو الأَدِلَّة — تُفَكِّكُ غُرَفَ الغَاز وَتُحرِقُ السِّجِلَّات. السُّونْدِرْكُومَانْدُو فَهِمُوا الرِّسَالَة: دَورُهُم قَادِم. لَكِن مُنذُ أَشهُر، كانَت مَجمُوعَةٌ مِنهُم تُدَبِّرُ أَمرًا يَبدُو مُستَحِيلًا — لَيسَ هُرُوبًا، بَل ثَورَة. صَرخَةٌ أَخِيرَةٌ مِن رِجَالٍ مَكتُوبٌ عَلَيهِمُ المَوتُ سَلَفًا.
كُلُّ شَيءٍ كانَ مُعَلَّقًا بِالبَارُود. أَربَعُ شَابَّاتٍ يَهُودِيَّاتٍ — عَالَا غِيرتْنِر، وَرُوزَا رُوبُوتَا، وَرِيجِينَا سَافِيرشتَاين، وَإِستِيرَا فَايتْسبلُوم — كُنَّ يَعمَلنَ فِي مَصنَعِ ذَخِيرَةٍ بِجِوَارِ المُعتَقَل. طَوَالَ أَشهُر، هَرَّبنَ كَمِّيَّاتٍ ضَئِيلَةً مِنَ البَارُود — فِي طَيَّاتِ ثِيَابِهِنّ وَفِي أَوعِيَةِ طَعَامٍ ذَاتِ قَاعٍ مُزدَوَج — تَمُرُّ مِن يَدٍ إِلَى يَدٍ عَبرَ سِلسِلَةٍ مِنَ السُّجَنَاءِ حَتَّى تَبلُغَ المَحَارِق. كُنَّ جَمِيعًا فِي العِشرِينَات مِن أَعمَارِهِنّ. يَعرِفنَ أَنَّ الاِنكِشَافَ يَعنِي التَّعذِيبَ ثُمَّ المَوت. وَفَعَلنَهَا.
فِي السَّابِعِ مِن أُكتُوبَر ١٩٤٤، بَلَغَ سُجَنَاءَ المَحرَقَةِ الرَّابِعَةِ الخَبَر: سَيُقتَلُونَ اليَوم. فَضَرَبُوا أَوَّلًا. بِبَارُودٍ مُهَرَّب، وَقَنَابِلَ صَنَعُوهَا مِن عُلَبٍ مَعدِنِيَّة، وَأَيِّ أَدَاةٍ طَالَتهَا أَيدِيهِم، هَاجَمُوا حُرَّاسَ الإِس إِس. قَتَلُوا ثَلَاثَةً مِنهُم وَأَضرَمُوا النَّارَ فِي المَحرَقَة. ارتَفَعَ اللَّهَبُ وَتَصَاعَدَ الدُّخَانُ الأَسوَدُ فَوقَ بِيركِينَاو — يَرَاهُ كُلُّ سَجِينٍ فِي المُعتَقَل.
التَحَقَ سُجَنَاءُ المَحرَقَةِ الثَّانِيَةِ بِالقِتَال. قَطَعَ بَعضُهُم الأَسلَاكَ الشَّائِكَةَ وَفَرُّوا نَحوَ الحُقُول. لَكِنَّ الإِس إِس جَلَبُوا تَعزِيزَاتٍ سَرِيعَة — جُنُودًا وَكِلَابًا وَنِيرَانًا كَاسِحَة. طُورِدَ الفَارُّونَ وَقُتِلُوا. فِي سَاعَاتٍ قَلِيلَة، انتَهَى كُلُّ شَيء. أَربَعُمِئَةٍ وَوَاحِدٌ وَخَمسُونَ سَقَطُوا — بَعضُهُم فِي المَعرَكَة، وَمُعظَمُهُم أُعدِمُوا بَعدَ الاستِسلَام.
تَتَبَّعَ الإِس إِس أَثَرَ البَارُودِ إِلَى المَصنَع، ثُمَّ إِلَى الشَّابَّاتِ الأَربَع. اعتُقِلَت عَالَا وَرُوزَا وَرِيجِينَا وَإِستِيرَا، وَعُذِّبنَ أَسَابِيعَ طِوَال. الإِس إِس أَرَادُوا أَسمَاءً — كُلَّ حَلَقَةٍ فِي سِلسِلَةِ التَّهرِيب. لَم تَنكَسِر وَاحِدَةٌ مِنهُنّ. لَم يُسَلَّم اسمٌ وَاحِد. لَم يُوضَع سَجِينٌ آخَرُ فِي خَطَرٍ بِسَبَبِ كَلِمَةٍ خَرَجَت مِن أَفوَاهِهِنّ.
فِي السَّادِسِ مِن يَنَايِر ١٩٤٥ — قَبلَ وَاحِدٍ وَعِشرِينَ يَومًا فَقَط مِن تَحرِيرِ أَوشْفِيتْز — شُنِقَتِ الأَربَعُ أَمَامَ السُّجَنَاء. وَحِينَ وُضِعَ الحَبلُ حَولَ عُنُقِ رُوزَا رُوبُوتَا، صَاحَت بِكَلِمَاتٍ لَن يَنسَاهَا مَن سَمِعَهَا: «حَزَاك فِي أَمَاتْز» — بِالعِبرِيَّة: كُونُوا أَقوِيَاءَ وَشُجعَانًا. يَقُولُونَ إِنَّ اللهَ يُمهِلُ وَلَا يُهمِل — لَكِنَّ رُوزَا لَم تَنتَظِر. أَشعَلَت عَدَالَتَهَا بِنَفسِهَا.
كُنَّ مِن آخِرِ مَن أُعدِمَ فِي أَوشْفِيتْز. بَعدَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيع، تَحَرَّرَ المُعتَقَل. والمَحرَقَةُ الَّتِي سَاعَدنَ فِي تَدمِيرِهَا لَم تُبنَ مِن جَدِيدٍ قَطّ.
