في عامِ ٤٨٥ للهِجرة، لم يكُنْ في العالَمِ الإسلاميِّ رجلٌ أقوى من نِظامِ المُلك. ثلاثونَ سنةً قضاها وَزيرًا أعظَمَ لِدولةِ السَّلاجِقة — خَدَمَ فيها السُّلطانَ ألب أَرسَلان ثمَّ ابنَهُ مَلِكشاه. دولةٌ تمتدُّ مِن تُخومِ الصِّينِ إلى شَواطِئِ المُتوسِّط. بنى المَدارِسَ النِّظامِيَّةَ لمُحاربةِ الإسماعيليِّين، وألَّفَ كِتابًا في الحُكمِ لا يزالُ يُقرأُ اليوم. لكنَّ رَجُلًا في حِصنِ أَلَموت، فَوقَ الغُيوم، قَرَّرَ أنَّ كُلَّ هذا يَجِبُ أن يَنتهي.
ذلكَ الرَّجُلُ هوَ حَسَنُ الصَّبّاح، سيِّدُ أَلَموت وقائدُ الإسماعيليِّينَ النِّزاريِّين. فَلسَفَتُهُ بسيطةٌ وقاسية: بَدَلَ أن تُرسِلَ آلافَ الجنودِ ليموتوا في حربٍ مفتوحة، اقتُلْ طاغِيَةً واحِدًا يَقهَرُ الملايين. أدواتُهُ كانوا الفِدائيِّين — «المُتَفانون» — رِجالٌ تدرَّبوا سنواتٍ على القِتالِ والتَّنَكُّرِ وآدابِ البِلاط. سِلاحُهُم دائمًا الخِنجَر. ضَربَتُهُم دائمًا أمامَ المَلأ. ولم يكونوا يَنتَظرونَ النَّجاة. المُهِمَّةُ ذَهابٌ بِلا إيّاب، يَعتَنِقونَها كقُربان.
الرّابعَ عَشَرَ مِن أُكتوبر ١٠٩٢ — العاشِرُ مِن رَمضان. قافِلةُ الوَزيرِ تَسيرُ مِن أَصفَهانَ نَحوَ بَغداد، قُربَ بَلدَةِ نَهاوَنْد. نِظامُ المُلك، وقد جاوَزَ السَّبعين، أنهى لِلتَّوِّ إفطارَه. اقتَرَبَ منهُ رجلٌ بِثيابٍ رَثَّة — يبدو كَدَرويشٍ مُتَجَوِّل — ونادى أنَّ مَعَهُ عَريضَة. الوَزيرُ كانَ مَعروفًا بأنَّهُ يَستَقبِلُ أمثالَ هؤلاء. مالَ نَحوَه. اسمُ الرَّجلِ أبو طاهِرٍ الأرّاني. لم يكُنْ يَحمِلُ عَريضَة. كانَ يَحمِلُ خِنجَرًا.
طَعنةٌ واحِدة. سَقطَ أقوى رجلٍ في الإمبراطوريَّة. حاوَلَ أبو طاهرٍ الفِرار، لكنَّ قَدَمَهُ تَعثَّرَت بِحَبلِ خَيمة. قَتَلَهُ الحُرّاسُ في ثَوانٍ — بعدَ لَحَظاتٍ مِن سُقوطِ هَدَفِه. ماتَ كما ماتَ كلُّ فِدائيٍّ قبلَهُ وبَعدَه: يَعرِفُ أنَّها رِحلةٌ بِلا عَودة. كلُّ شَيءٍ حَدَثَ في أقلَّ مِن دقيقة. لكنَّ ما تَبِعَها غَيَّرَ وَجهَ الشَّرقِ لأكثرَ مِن قَرن.
بعدَ خمسةٍ وثلاثينَ يَومًا، ماتَ السُّلطانُ مَلِكشاه نَفسُهُ — في ظُروفٍ مُريبةٍ جَعَلَت كثيرًا مِنَ المُؤرِّخينَ يُرَجِّحونَ أنَّهُ اغتِيلَ هوَ أيضًا. بِغيابِ الوَزيرِ والسُّلطان معًا، انفَجَرَت دولةُ السَّلاجِقةِ في حَربٍ أهليَّةٍ بينَ أبناءِ مَلِكشاه، كلٌّ منهُم يتنازَعُ العَرش. لم يَبقَ لأحدٍ مِنهُم جَيشٌ يُرسِلُهُ لِحِصارِ قِلاعِ الجَبَل. هذا بالضَّبطِ ما حَسَبَ لهُ حَسَنُ الصَّبّاح: إزالةُ رَجلٍ واحِد — رُبَّما اثنَين — عَطَّلَتْ أكبرَ تهديدٍ عسكريٍّ لِقَومِهِ ومنحَتهُم عُقودًا لِلنُّموّ.
يقولُ القُرآنُ الكريم: «كَم مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ». لكنَّ حَسَنَ الصَّبّاح لم يَحتَجْ حتّى إلى فِئةٍ قليلة — احتاجَ إلى رجلٍ واحد. بعدَ مَقتَلِ نِظامِ المُلك، فَهِمَ كلُّ حاكمٍ في المِنطقةِ الرِّسالة: لا جِدارَ حُرّاسٍ يَحميكَ مِمَّن قَرَّرَ أن يموت. السُّلطانُ سَنجَر — أحدُ أبناءِ مَلِكشاه — استيقظَ ذاتَ صَباحٍ لِيَجِدَ خِنجَرًا مَغروزًا في الأرضِ بِجوارِ فِراشِه، ورِسالةً مِن حَسَن: «لَو أنَّ هذا النَّصلَ في صَدرِكَ بَدَلَ التُّراب، ما كانَ أحدٌ لِيُنقِذَك.» لم يَقتَرِبْ سَنجَر، أعظمُ مُحاربي السَّلاجِقة، مِنَ الإسماعيليِّينَ بَعدَها أبدًا.
النَّصلُ الذي سَقَطَ على نِظامِ المُلكِ في طَريقِ بَغداد لم يُنهِ حياةَ رجلٍ فحسب. أثبَتَ مَبدأً لا يزالُ يَتَرَدَّدُ صَداهُ: الاستعدادُ لِبَذلِ كلِّ شَيء — الرّاحة، الأمان، الحياةَ ذاتَها — يُمكِنُ أن يُركِعَ أعتى إمبراطوريَّةٍ على وَجهِ الأرض.
