Skip to main content
الضائع والمُكتشَف·2/3·3
Photograph of Neuschwanstein Castle

The place

Neuschwanstein Castle

جُنونُ المَلِك لودفيغ

ملكٌ أرادَ الجَمالَ لا العَرش، فبنى أحلامَهُ من حَجَرٍ حتّى انتزعوا منهُ تاجَه

القرن التاسع عشر (1864–1886)Neuschwanstein Castle

كانَ لودفيغ في الثامِنةَ عَشْرةَ حينَ ألبسوهُ تاجَ بافاريا عامَ 1864 — طويلٌ أسوَدُ الشَّعر، لا يكترثُ بالعرشِ ولا بالسِّياسة. كلُّ ما أرادَهُ هوَ الموسيقى. بعدَ أسابيعَ من تتويجِهِ أرسلَ إلى المُلحِّنِ ريتشارد فاغنر رسالةً تُشبِهُ رسائلَ العُشّاق: «أُريدُ أن أرفعَ عنكَ ثِقَلَ الحياةِ إلى الأبد. أنتَ إلهٌ بالنِّسبةِ لي.» كانَ فاغنر حينَها في الحاديةِ والخمسين. هكذا بدأَ أحدُ أجملِ أنواعِ الوَلَعِ وأخطرِها في التاريخ.

أفرَغَ لودفيغ خزائنَ بافاريا في عبقريّةِ فاغنر. سدَّدَ ديونَهُ ومَوَّلَ بناءَ مسرحِ بايرويت الذي حَلُمَ بهِ المُلحِّنُ لعقود، وأمرَ بتقديمِ عروضٍ أوبراليّةٍ خاصّةٍ لجمهورٍ من شخصٍ واحد — هو نفسُه، وحيداً في مسرحٍ مُعتِمٍ في ميونيخ، يَبكي معَ الموسيقى. جُنَّ جنونُ السّاسة. أجبَروا فاغنر على مغادرةِ المدينة. لكنَّ وَلاءَ لودفيغ لم يتزعزَع. هذا مَلِكٌ لم يكُن يُطيقُ أن يَحكُم، لكنَّهُ كانَ يُزلزِلُ الأرضَ من أجلِ مقطوعةٍ موسيقيّة.

حينَ خذلَهُ العالَمُ الحقيقيّ، بنى لودفيغ عالَمَهُ الخاصّ. ثلاثةُ قصورٍ من عالَمِ الأساطير، كلٌّ منها أشدُّ بذخاً وجُنوناً ممّا سبقَه. في ليندرهوف حفرَ كهفاً تحتَ الأرضِ يطفو فيهِ بقاربٍ مُذهَّبٍ فوقَ بحيرةٍ مخفيّة بينما تتردَّدُ موسيقى فاغنر بينَ الجدران. وهيرنكيمزيه كانَ نُسخةً من قصرِ فرساي الفرنسيّ بُنيَ على جزيرة، وقاعةُ مراياهُ أطوَلُ من الأصليّة. أمّا نويشفانشتاين — المُعلَّقُ على حافّةِ جُرفٍ في الألب — فكانَ قلعةً صمَّمَها بأكملِها لتكونَ مسرحاً حيّاً لأوبرات فاغنر.

عاماً بعدَ عام، ازدادَ سلوكُ لودفيغ غرابةً. قلَبَ ليلَهُ نهاراً: يركبُ زلّاجاتٍ ذهبيّةً عبرَ الغاباتِ على ضوءِ المشاعلِ في الثالثةِ فجراً. يأمرُ بإعدادِ موائدَ لضيوفٍ لا وجودَ لهم — من أمثالِ لويس الرابعَ عشرَ وماري أنطوانيت — ثمَّ يُحادِثُ كراسيَهُمُ الفارغةَ طوالَ العَشاء. رسمَ مُخطَّطاتٍ لآلةِ طيرانٍ ولقلعةٍ فوقَ عمودٍ صخريٍّ لا يُمكِنُ بلوغُها إلّا بمُنطاد. لم يُبنَ أيٌّ منهما.

في الثامنِ من يونيو 1886، أعلنَ أربعةُ أطبّاءَ نفسيّينَ — لم يفحَصْ أيٌّ منهُم المَلِكَ قطّ — أنَّ لودفيغ مجنون. بعدَ يومَين وصلَ المسؤولونَ إلى نويشفانشتاين لاعتقالِه. ردَّهُمُ الحرّاسُ أوّلَ مرّة، ولساعاتٍ قليلةٍ تحصَّنَ المَلِكُ في قلعتِهِ كأنَّهُ بطلٌ من أساطيرِهِ. لكنَّ المحاولةَ الثانيةَ نجحَت. نُزِعَ عنهُ التاجُ ونُقِلَ سجيناً إلى قصرِ بيرغ على بحيرةِ شتارنبرغ. الرجلُ الذي بنى الحكاياتِ من حَجَرٍ صارَ هو نفسُهُ أسيرَ حكاية.

بعدَ ثلاثةِ أيّامٍ فقط — الثالثَ عشرَ من يونيو — خرجَ لودفيغ مع طبيبِهِ النفسيِّ الدكتور بيرنهارد فون غودِّن في نُزهةِ مساءٍ على ضفّةِ البحيرة. لم يعُدْ أيٌّ منهما. وُجِدَت جُثّتاهُما في المياهِ الضَّحلةِ تلكَ الليلة. كانَ لودفيغ في الأربعينَ من عُمرِه. الحُكمُ الرسميّ: غَرَق. لكنَّ الماءَ حيثُ وجدوهُ بالكادِ يصِلُ إلى خَصرِه، وكانَ سبّاحاً ماهراً. لم يُفسِّرْ أحدٌ ما حدثَ حقّاً. هذا اللُّغزُ يلاحِقُ بافاريا منذُ أكثرَ من قرن.

اليومَ يزورُ نويشفانشتاين مليونٌ وأربعمئةِ ألفِ شخصٍ كلَّ عام. رآهُ والت ديزني فاتَّخذَهُ نموذجاً لقلعةِ الأميرةِ النائمةِ في ديزني لاند. القلعةُ التي سُجِنَ ملكٌ بسببِها صارَت أشهرَ قلعةٍ على وجهِ الأرض. وزراءُ لودفيغ نسيَهُمُ الزمن. حكومتُهُ حاشيةٌ في كتبِ التاريخ. أمّا الحُلُمُ الذي حاولوا تدميرَه؟ لا يزالُ واقفاً فوقَ ذلكَ الجُرفِ في الألب. يقولونَ «الجُنونُ فُنون» — وفُنونُ هذا المجنونِ هيَ وحدَها التي بَقِيَت.

عبرة القصة

العالَمُ يُعاقِبُ مَن يَختارُ الجَمالَ على السُّلطة — لكنَّ ما يَبنونَهُ يَعيشُ أطوَلَ من كلِّ عرشٍ حَكَمَ عليهِم بالجُنون.

الشخصيات

ا
المَلِك لودفيغ الثاني — ملكُ بافاريا
ر
ريتشارد فاغنر — المُلحِّن
و
وزراءُ بافاريا
ا
الدكتور بيرنهارد فون غودِّن — طبيبُهُ النفسيّ

المصدر

McIntosh, Christopher. The Swan King: Ludwig II of Bavaria, 2012; Blunt, Wilfrid. The Dream King, 1970; Bavarian State Archives