Skip to main content
أصحاب الحيل والحكايات الشعبية·2/3·3
Photograph of Venice — St. Mark's Basilica & Doge's Palace

The place

Venice — St. Mark's Basilica & Doge's Palace

السَّرِقَةُ المُقَدَّسَة

كَيفَ هَرَّبَ تاجِرانِ بَقايا قِدِّيسٍ تَحتَ لَحمِ الخِنزيرِ وغَيَّرا مَصيرَ مَدينة

القرن التاسع الميلادي (٨٢٨ م)Venice — St. Mark's Basilica & Doge's Palace

البُندُقيَّة، عام ٨٢٨ ميلادي. مدينة طَموحة — غنيَّة من التجارة، تَبني أُسطولاً، وتشُقّ طريقها بين قوى المتوسِّط. لكنَّ مشكلة واحدة كانت تؤرِّقها: قدِّيسها الحامي كان ثيودور، جنديّ يونانيّ لا يعرفه أحد خارج أسوار الكنيسة. إن أرادت أن تقف في صفّ روما والقسطنطينيَّة، فهي بحاجة إلى اسمٍ أكبر. وتاجِران من أبنائها كانا في الإسكندريَّة — بوونو دا مالاموكّو وروستيكو دا تورتشيلّو — قرَّرا أنَّهما يعرفان أين يجدان هذا الاسم تماماً.

الهدف: مَرقُس الإنجيليّ — أحد كُتَّاب الأناجيل الأربعة، ومُؤسِّس كنيسة الإسكندريَّة. جسده كان يرقد في كنيسةٍ هناك منذ ثمانية قرون. لكنَّ التاجرَين لم يأتيا للصلاة — جاءا ليسرقا قدِّيساً، يُهرِّباه عبر البحر، ويُسلِّماه للبُندُقيَّة حامياً جديداً. كانت واحدة من أجرأ السَّرقات في التاريخ — والخُطَّة التي ابتكراها كانت أجنَّ من الفكرة نفسها.

الإسكندريَّة وقتها كانت تحت الحُكم العبَّاسيّ، والسلطات كانت تراقب الآثار المسيحيَّة عن كثب — يعلمون أنَّ الأوروبيِّين مُستعدُّون لأيِّ شيء للحصول عليها. فوجد التاجران حليفَين داخل الكنيسة: راهبَين يونانيَّين اسمهما ستاوراكيو وتيودورو، حارسَي قبر مَرقُس. لكن لماذا يخون حارسان أمانتهما؟ لأنَّ الخليفة كان يهدم الكنائس ويأخذ رُخامها، وكانا يخشيان أن يأتي الدَّور على كنيستهما.

تحت جُنح الليل، فتح الأربعةُ التابوت الحجريّ وأخرجوا رُفات مَرقُس، ثمَّ وضعوا مكانها جسد قدِّيسةٍ مَغمورة اسمها كلوديا. بعدها جاءت الضربة: أخفَوا الرُّفات في سلَّةٍ ضخمة ودفنوها تحت طبقاتٍ من لحم الخنزير والملفوف. حين صعد مُفتِّشو الجمارك على السفينة، فتح التاجران السلَّة وصرخا: «خِنزير! خِنزير!» فتراجع المُفتِّشون مُشمئزِّين وأشاروا للسفينة بالمرور. لم يُفتَّش شيء. لم يُسأل سؤال.

هكذا أبحرَ أحد أقدس رفات المسيحيَّة خارج مصر — مُختبئاً تحت لحمٍ مُحرَّمٍ على حُرَّاسه أنفسهم. حين وصل الجسد إلى البُندُقيَّة، جُنَّت المدينة فرحاً. الدوق جوستينيانو أمر ببناء كاتدرائيَّة فوراً — اكتملت بحلول عام ٨٣٢. أمَّا التحفة التي تقف اليوم — كاتدرائيَّة سان ماركو — فبُنيت بين ١٠٦٣ و١٠٩٤. والأسد المُجنَّح، رمز مَرقُس من سِفر الرُّؤيا، صار شعار المدينة — على الأعلام والجدران وحتَّى السُّفن الحربيَّة.

والأغرب من كلِّ هذا؟ إذا زُرتَ الكاتدرائيَّة اليوم ورفعتَ نظرك إلى الفُسَيفِساء فوق المدخل الأيسر، سترى المشهد كاملاً. رُسمت في القرن الثالث عشر، وتُصوِّر عمليَّة التهريب بكلِّ تفاصيلها — التاجران يحملان السلَّة، المُفتِّشون يُولُّون وجوههم، والجسد مدفون تحت اللحم المُحرَّم. رُبَّما هي الكنيسة الوحيدة على وجه الأرض التي يتباهى بابُها الأماميّ بجريمة.

لكنَّ البُندُقيَّة لم تُسمِّها جريمة قطّ. سمَّتها «نَقلاً مُقدَّساً» وأصرَّت أنَّ الله نفسه أراد ذلك. تقول أسطورتهم إنَّ ملاكاً ظهر لمَرقُس قبل قرونٍ وهو يعبر بُحيرة البُندُقيَّة، وهمس له: «السلام عليك يا مَرقُس… هنا سيستقرّ جسدك.» يقولون: الحيلةُ تنفع حيثُ لا تنفع القوَّة. والبُندُقيَّة أثبتت ذلك — لكنَّها أضافت فصلاً لم يتوقَّعه المَثَل: ألبست الحيلة ثوب النُّبوءة، وفوق النبوءة بنت إمبراطوريَّة. ألف سنة من المجد، بدأت بسلَّة خِنزير.

عبرة القصة

خُطوة جريئة واحدة قد تُغيِّر مصير مدينة إلى الأبد — والقصَّة التي ترويها عن ماضيك هي التي تصنع مُستقبلك

الشخصيات

ب
بوونو دا مالاموكّو
ر
روستيكو دا تورتشيلّو
ا
القدِّيس مَرقُس الإنجيليّ
س
ستاوراكيو (راهب يونانيّ)
ت
تيودورو (راهب يونانيّ)
ا
الدوق جوستينيانو بارتيتشيباتسيو

المصدر

Translatio Sancti Marci (9th century account); Norwich, John Julius. A History of Venice, 1982; Brown, Patricia Fortini. Venice and Antiquity, 1996