في القرن السابع الميلادي، ظهر في هضبة التبت — تلك الأرض المرتفعة فوق سقف العالم — ملكٌ مُحاربٌ اسمه سونغتسين غامبو. فعل ما لم يفعله أحدٌ قبله: وحَّدَ القبائل المتناحرة تحت رايةٍ واحدة وبنى إمبراطوريةً أرعبت حتى سُلالة تانغ العظيمة التي كانت تحكم الصين. ثمّ أرسل رُسُلَه إلى البلاط الإمبراطوري بطلبٍ جريء: أميرةٌ صينية تكون زوجتَه.
رفض الإمبراطور تايزونغ رفضاً قاطعاً. أيُرسِلُ أميرةً إلى أقاصي الأرض، إلى مملكةِ جبالٍ وثلوج؟ لكنّ سونغتسين غامبو لم يكن رجلاً يقبل الرفض. حين فشلت الدبلوماسية، لوَّح بالحرب. وحين صار القتال وشيكاً، رضخ تايزونغ. اختار الأميرة وينتشينغ — امرأةً من الأسرة الحاكمة عُرِفت بذكائها وجمالها وإيمانها العميق بالبوذية.
استغرقت رحلة وينتشينغ إلى لاسا أكثر من عامَين. عبرت هضاباً شاهقة وممرّاتٍ جبلية متجمّدة وسهوباً لا نهاية لها. حملت معها مَهراً مذهلاً: تمثالاً ذهبياً لبوذا بحجم إنسانٍ حقيقي — وهو اليوم أقدس شيءٍ في التبت، لا يزال في معبد جوكانغ — ونصوصاً بوذية وحريراً صينياً وبذوراً زراعية وحِرَفيّين مَهَرة في المعادن والورق والنسيج.
بنى سونغتسين غامبو لعروسه قصر بوتالا فوق التلّة الحمراء في لاسا — هديةُ زفافٍ تليق بأميرةٍ عبرت العالم. يقول المثل العربي: «ما بُنيَ على المحبّة لا يهدمه الزمان». تقول الأسطورة إنّ القصر ضمّ تسعمئةً وتسعاً وتسعين غرفة، وفي أعلاه حُجرةُ تأمّلٍ خُصِّصت لوينتشينغ.
لكنّ القصة أكبر بكثيرٍ من قصة حبّ. يُنسَب إلى وينتشينغ — مع زوجة الملك النيبالية الأميرة بريكوتي — إدخالُ البوذية إلى التبت. جلبت معها علم الفلك الصيني والطبّ وفنون البناء. غيّرت الثقافة التبتية تغييراً عميقاً لدرجة أنّها لا تزال تُعبَد حتى اليوم بوصفها تجسيداً لـ«تارا الخضراء»، إحدى أهمّ الشخصيات في البوذية التبتية.
بالنسبة لسلالة تانغ، كان الزواج أداةً دبلوماسية لتهدئة جارٍ خطير. أمّا التبتيّون فيعتبرونه اللحظة التي بدأت فيها حضارتهم حقاً. تمثال بوذا الذهبي الذي حملته وينتشينغ عبر الجبال لا يزال في معبد جوكانغ، مُغطّىً بالحرير والذهب، تحيط به مصابيح الزبدة التي لم تنطفئ منذ ألفٍ وأربعمئة عام.
اليوم، أصبحت الأميرة وينتشينغ رمزاً سياسياً. الصين تشير إلى هذا الزواج كدليلٍ على الروابط التاريخية بين الصين والتبت. والتبتيّون يكرّمونها بوصفها المرأة التي حملت إليهم الإيمان. كلُّ طرفٍ يروي القصة على طريقته.
لكنّ النسخة الأصدق ربّما هي الأبسط: فتاةٌ شابّة تركت كلّ ما تعرفه، وعبرت العالم من أجل رجلٍ لم ترَهُ قطّ، وحملت بوذا معها، وغيّرت حضارةً بأكملها إلى الأبد. والقصر الذي بناه لها لا يزال شامخاً فوق تلّة لاسا.
