سنة ١٩٦٠، وقفت مصر أمام خيارٍ لا يتمنّاه أحد. جمال عبد الناصر كان يبني السدّ العالي — مشروعٌ عملاق يُروِّض فيضانات النيل ويُنير مستقبل البلاد بأكمله. لكنّ الثمن كان باهظًا: بحيرة ناصر، واحدة من أكبر البحيرات الصناعية على وجه الأرض، ستبتلع خمسمئة كيلومتر من وادي النيل. عشرات المعابد القديمة ستختفي تحت الماء — وعلى رأسها أبو سِمبِل، المعبدان التوأمان اللذان نحتهما رمسيس الأكبر في قلب الجبل قبل ثلاثة آلاف ومئتي سنة.
فعلت اليونسكو شيئًا لم يُجرَّب من قبل: طلبت من العالم بأسره أن يُنقذ هذه المعابد، وإلّا ستختفي إلى الأبد. والمُذهل أنّ العالم لبّى النداء. خمسون دولة — بينها دولٌ لا تتّفق على شيء في عزّ الحرب الباردة — أرسلت أموالًا ومهندسين ومعدّات. السويد، التي لا يربطها بمصر أيّ رابط، صارت من أكبر المُتبرِّعين. الكُلفة: أربعون مليون دولار — نحو ثلاثمئة وستّين مليونًا بأسعار اليوم. أضخم عملية إنقاذ أثرية في التاريخ.
لكنّ المال لم يكن المشكلة الكبرى. أبو سِمبِل ليس مبنًى تحمله وتمضي — المعبدان منحوتان في صخر الجبل نفسه. فجاءت شركة سويدية اسمها VBB بخطّةٍ تبدو جنونًا محضًا: قصّ المعبدَين إلى ألفٍ وستٍّ وثلاثين كتلة، كلّ واحدة بين عشرين وثلاثين طنًّا، ثمّ سحبها خمسةً وستّين مترًا نحو الأعلى ومئتي متر نحو الداخل، وإعادة تركيبها فوق تلّةٍ اصطناعية صُمِّمت لتُحاكي شكل الجبل الأصلي.
انطلق العمل سنة ١٩٦٤، والمياه تزحف نحو المعابد يومًا بعد يوم. أقام العمّال سدًّا مؤقّتًا يصدّ الماء ويشتري لهم الوقت. وهنا يأتي ما يُذهل العقل: لم يُسمَح باستخدام أيّ أداة كهربائية — الاهتزازات كانت ستُفتِّت الحجر الرملي العتيق. فكلّ قطعة قُصَّت باليد، بدقّة المليمتر. كلّ كتلة رُقِّمت، ورُفِعت بالرافعة، ثمّ أُنزِلت في مكانها الأصلي تمامًا. أعقد أحجية تركيبٍ عرفها الإنسان.
داخل التلّة الجديدة، شُيِّدت واحدة من أكبر القباب الخرسانية في العالم لحماية الحجر الرملي من الرطوبة التي جلبتها بحيرة ناصر إلى قلب الصحراء. ثمّ أعاد المهندسون تشكيل الأرض والتضاريس المحيطة لتُطابق المشهد الأصلي — حتّى أنّ من يسير نحو أبو سِمبِل سيرى تقريبًا نفس المنظر الذي رآه الناس في زمن رمسيس قبل أكثر من ثلاثين قرنًا.
في الثاني والعشرين من سبتمبر ١٩٦٨، افتُتِح أبو سِمبِل في موقعه الجديد. وكانت هناك معجزة أخيرة. مرّتين في السنة، يخترق ضوء الشمس جوف المعبد فيُنير تماثيل الآلهة — محاذاة فلكية صمّمها البنّاؤون الأصليّون قبل اثنين وثلاثين قرنًا. في الموقع الجديد، حُفِظت هذه المحاذاة بفارق يومٍ واحد فقط عن الموعد الأصلي. مَن زاروا المعبد قبل النقل قالوا إنّهم لم يلحظوا أيّ فرق.
يقولون «الصَّبرُ مفتاحُ الفَرَج.» لكنّ أبو سِمبِل علّمنا أنّ الفَرَج أحيانًا يحتاج ما هو أكبر من الصبر: خمسين دولة تقف معًا وتقول — بعض الأشياء تستحقّ نقل الجبال. ذلك الجهد وَلَّد مباشرةً اتّفاقية التراث العالمي سنة ١٩٧٢، التي تحمي اليوم أكثر من ألفٍ ومئة موقع حول الأرض. كلّ مَعلَمٍ محميّ — من ماتشو بيتشو إلى سور الصين العظيم — موجود لأنّ العالم أثبت يومًا أنّ هناك ما يستحقّ أن يُنقَل لأجله جبل.
