Skip to main content
أنبياء وحجاج·2/2·3
Photograph of Karnak Temple Complex

The place

Karnak Temple Complex

قاعة الأعمدة الكبرى

134 عموداً بارتفاع 24 متراً — الوقوف عند الغروب في حضرة المقدّس

الدولة الحديثة (حوالي 1290-1279 ق.م)Karnak Temple Complex

السقف — الذي تهدّم معظمه اليوم — كان يتألّف من ألواحٍ حجريّة ضخمة تمتدّ بين الأعمدة، وفي القسم المركزيّ المرتفع نوافذ علويّة كانت تسمح لأعمدة الضوء بالتسلّل إلى الداخل المُعتم كأنّها أصابع يدٍ خفيّة تبحث عن شيءٍ في الظلام.

تلك الأعمدة الضوئيّة هي التي تمنح القاعة طابعها الأكثر سموّاً. فمع عبور الشمس في قبّة السماء، تدخل أشعّتها من فتحات النوافذ العلويّة وتتنقّل بين غابة الأعمدة كعقارب ساعةٍ إلهيّة، تُنير نقوشاً وكتاباتٍ مختلفة في كلّ ساعة. في الصباح تتوهّج الأعمدة الشرقيّة بضوءٍ دافئ بينما يظلّ النصف الغربيّ غارقاً في ظلالٍ عميقة. عند الظهيرة يسقط الضوء عمودياً فيرسم بِركاً من السطوع على الأرض تُحيط بها هالاتٌ من الظلمة. وعند الغروب — تلك الساعة التي يُجمع الزوّار على أنّها الأكثر إذهالاً — تشتعل النوافذ العلويّة الغربيّة بضوءٍ ذهبيّ برتقاليّ يتدفّق أفقيّاً بين الأعمدة، فيُحيل الحجر الرمليّ إلى كهرمانٍ منصهر ويُلقي بظلالٍ لا نهائيّة العمق ولا حصر لتشابكها.

كان الزوّار القدامى يعيشون قاعة الأعمدة الكبرى بوصفها تجسيداً لمستنقعات البردي البدئيّة — المُستنقع الأوّل الذي خرجت منه أوّل تلّةٍ من التراب في فجر الخليقة. فالأعمدة المنحوتة على هيئة سيقان البردي بتيجانها المُغلقة والمتفتّحة كانت غابةً حجريّة حقيقيّة يتحرّك فيها الإله آمون خلال مواكب الأعياد. وكان المشي عبر القاعة مُصمَّماً ليُحاكي الرحلة عبر المشهد البدئيّ وصولاً إلى لحظة الخلق ذاتها.

أمّا الزوّار المعاصرون، المُجرَّدون من الإطار اللاهوتيّ لكنّهم يُواجهون الفضاء الماديّ الساحق نفسه، فيصفون باستمرارٍ مشاعر تتجاوز التذوّق الجماليّ المعتاد. مؤرّخو العمارة وكُتّاب الرحلات يلجأون إلى لغةٍ دينيّة: «الوقوف في حضرة الإلهيّ»، «صمتٌ ينطق»، «أقرب ما يُمكن أن يصنعه الحجر إلى تجربةٍ روحانيّة». حتى المتشكّكون المتصلّبون يُقرّون بإحساسٍ بالرهبة يستعصي على التحليل العقلانيّ — استجابةٌ لا إراديّة للحجم والتناسب والضوء والظلّ تبدو وكأنّها تتخطّى العقل لتُخاطب شيئاً أقدم وأعمق في النفس البشريّة.

صمدت قاعة الأعمدة الكبرى أمام الزلازل والفيضانات والإهمال والتخريب المتعمّد على أيدي المُصلحين الدينيّين. سقطت أعمدةٌ وأُعيد رفعها. تحطّمت ألواح السقف على الأرض ثمّ أُزيلت أنقاضها. بهتت الألوان، ونُزع الذهب، وتبدّد البخور الذي كان يملأ الأجواء بسُحبٍ عطرة عبر الألفيّات. ومع ذلك، عند الغروب، حين يتحوّل الضوء إلى ذهبٍ سائل وتُلقي الأعمدة ظلالها العتيقة، فإنّ قاعة الأعمدة الكبرى لا تزال تفعل ما أراد لها بُناتها أن تفعله قبل ثلاثة آلاف عام: تجعلك تشعر بحضور شيءٍ أعظم منك.

عبرة القصة

أعظم ما يبدعه الإنسان هو ما يصله بشيءٍ يتجاوز ذاته، والمقدّس يمكن أن يُبنى من الحجر.

الشخصيات

س
سيتي الأول (بدأ البناء)
ر
رمسيس الثاني (أتمّ البناء)
آ
آمون رع

المصدر

Brand, Peter J. The Monuments of Seti I. Leiden: Brill, 2000; Karnak Great Hypostyle Hall Project (Memphis University)