مساء الخامس عشر من أبريل ٢٠١٩. دخانٌ يتصاعد من سقف كاتدرائية نوتردام في باريس. خلال ساعة واحدة، تحوَّل هيكلُها الخشبيّ — الذي بناه حِرَفيّون قبل ثمانمئة وخمسين سنة واحتاج غابةً بأكملها حتّى سمَّوه «الغابة» — إلى جدار من نار. البرج الشهير انهار على الهواء أمام ملايين المشاهدين. لكنّ ما كان يحدث في الداخل كان أخطر بكثير.
في أعماق الكاتدرائية، كان الأب جان-مارك فورنييه — قسّيس فرقة إطفاء باريس — يقود فريقاً من رجال الإطفاء في مهمّة إنقاذ. ليس لأشخاص. بل لشيء ظلّ في عهدة البشر منذ ألفَي سنة تقريباً: إكليل الشَّوك، الأثر الذي يؤمن المسيحيّون أنّه وُضِعَ على رأس المسيح قبل صَلبه. كان محبوساً في خزنة الكاتدرائية، والنار تقترب.
لإكليل الشوك قصّة لا تُصدَّق. في عام ١٢٣٩، اشتراه الملك لويس التاسع — وكان متديّناً لدرجة أنّ الكنيسة أعلنته قدّيساً لاحقاً — من حاكم القسطنطينية المُفلِس. الثمن؟ أكثر من نصف إيراد فرنسا السنوي بأكمله. ثمّ بنى لويس كنيسة سانت شابيل، من أجمل كنائس باريس، لغرض واحد: أن يحتضن هذا الإكليل. وحين وصل، خلع الملك حذاءه ومشى حافياً في الشوارع لاستقباله.
نعود إلى الكاتدرائية المشتعلة. الإكليل كان خلف أقفال إلكترونية في الخزنة. الأب فورنييه ورجال الإطفاء شقّوا طريقهم عبر ممرّات يخنقها الدخان حتّى وصلوا. لكنّ الحرارة أعطبت الأقفال. أحد رجال الإطفاء حطَّمها بالقوّة. وفي الداخل وجدوه: حلقة من القَصَب المجدول بخيوط ذهبيّة، داخل عُلبة كريستال، تبدو هشّة بشكل لا يُصدَّق وسط كلّ هذا الجنون.
لا وقت للحذر. حُطام مشتعل يتساقط من فوق. فشكَّلوا سلسلة بشريّة ومرَّروا العلبة يداً بيد — عبر الدخان، تحت الجَمر المتطاير، في ممرّات لوَّنتها النار بالبرتقالي — حتّى خرجت إلى هواء ليل باريس. لحظة خروج الإكليل سالماً، سقط الأب فورنييه على ركبتيه. ورجال إطفاء اعتادوا الركض نحو الخطر كلّ يوم… انهاروا وبكَوا.
يقولون «الثالثة ثابتة». لكنّ هذا الإكليل تجاوز الثالثة بمراحل. نجا من سقوط روما. نجا من نهب القسطنطينية عام ١٢٠٤ حين هاجم الصليبيّون مدينة مسيحية بدل أن يُكمِلوا طريقهم إلى القدس. نجا من الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩ حين كان الثُّوّار يحطّمون كلّ رمز ديني — أخفاه كاهن في اللحظة الأخيرة. نجا من حربين عالميتين. وفي ٢٠١٩، نجا من نوتردام.
بعض الناس يسمّي هذا حظّاً. بعضهم يسمّيه صدفة. لكنّ هناك نمطاً يصعب تجاهله: في كلّ كارثة، قرَّر شخص ما أنّ هذه الحلقة الصغيرة الهشّة من الشوك تستحقّ المخاطرة بكلّ شيء. الأب فورنييه دخل كاتدرائية تحترق من أجلها. كاهن خاطر بالمِقصَلة في الثورة. ملك أنفق نصف ثروة مملكته. مهما كان ما تؤمن به، إكليل الشوك لا يزال باقياً — لأنّ هناك دائماً مَن يختار إنقاذه.
