في القَرن الثالث قبل الميلاد، فَعَلَ رجلٌ واحد ما عَجَزَ عنه كلُّ مَن سَبَقَه. تشين شي هوانغ سَحَقَ ستَّ ممالكَ متحاربة وصَهَرَها في إمبراطوريّة واحدة — الصين، التي حَمَلَت اسمه. بنى سوراً عظيماً يَشُقُّ الجبال. وحَّدَ الكتابة والعُملة وحتّى عَرْض محاور العربات. هذا الرجل لم يَحكُم بلداً — بل اختَرَعَه من العَدَم. لكنّ شيئاً واحداً كان يُقِضُّ مَضجَعَه ليلَ نهار: الموت.
فبدأ يبحثُ عن علاج. أخبره كيميائيّو بلاطه أنّ الزِّئبَق — ذلك المعدن السائل الغريب — يحمل سرَّ الحياة الأبديّة. فصار الإمبراطور يبتلع حبوب الزئبق كلَّ يوم، مُقتنِعاً أنّها تمنحه الخلود. والحقيقة؟ كانت تُدمِّر جسده من الداخل ببطء. الشيء الذي ظنَّ أنّه سيُنقِذه كان يقتله، جُرعةً بعد جُرعة.
لكنّ أجرأ محاولاته كانت حملةً بحريّة كاملة. في عام ٢١٩ قبل الميلاد، أمَرَ كيميائيّاً اسمه شو فو بالإبحار شرقاً بستّين سفينة وثلاثة آلاف شابّ وشابّة — بحثاً عن جُزُرٍ أسطوريّة يُقال إنّ الخالدين يعيشون فيها وإكسير الحياة ينبُت على أشجارها. كانت من أضخم الرحلات البحريّة في العالَم القديم، وأبحَرَت مباشرةً نحو المجهول.
شو فو لم يَعُد. لا بالإكسير، ولا بأسطوله، ولا بِرُكّابه الثلاثة آلاف. تقول الأسطورة الصينيّة إنّه وَصَلَ اليابان واستقرَّ فيها وصار جَدّاً لأجيال من شعبها. حتّى اليوم، مُدُنٌ على الساحل اليابانيّ تدّعي أنّها مكان رُسُوِّه، ومعابد تحمل اسمه لا تزال قائمة. أُرسِلَ ليجد الخلود — وبطريقةٍ ما، قصّته هي التي خَلَدَت.
في عام ٢١٠ قبل الميلاد، مات تشين شي هوانغ وهو في طريقه — لا يزال يبحث عن معجزته. وما حدثَ بعدها يكاد لا يُصَدَّق. وزيره الأوّل لي سي ورجل البلاط القويّ تشاو غاو قرّرا إخفاء موت الإمبراطور لأشهر. ولتغطية رائحة الجثّة المتحلِّلة، أحاطوا عربته بعرباتٍ محمّلة بالسمك. أقوى رجل في العالَم أُعيدَ إلى عاصمته مُتخفّياً خلف نَتانة السمك الفاسد.
لكنّ الإمبراطور كان قد جهَّز خطّةً بديلة. إن لم يستطع أن يعيش إلى الأبد، فسيحكم إلى الأبد تحت الأرض. قبره بُنِيَ ليكون إمبراطوريّة كاملة بالمُصغَّر: أنهارٌ من الزئبق السائل ترسم مَجرى أنهار الصين العظيمة، وسقفٌ من النحاس والجواهر يرسم خريطة النجوم، وجيشٌ من ثمانية آلاف جنديّ من الطين بالحجم الطبيعيّ يحرسونه إلى الأبد. بل نَصَبَ أفخاخاً بالأقواس لقتل أيّ دخيل.
والمُفارقة التي تهزُّك: الزئبق الذي سمَّمه — نفس المادّة التي ابتلعها سنوات ظانّاً أنّها ستُخلِّده — هو نفسه الزئبق الذي يجري في أنهار قبره. الشيء الذي قتله صار قلبَ مملكته الأخيرة. يقولون «مَن جَدَّ وَجَد» — وهذا الرجل جَدَّ في طلب الخلود حتّى وَجَدَ الموت. لكنّه بنى أعظم قبرٍ على وجه الأرض، وبعد ألفَي سنة، لا نزال نروي حكايته.
