Skip to main content
أنبياء وحجاج·6/6·3
Photograph of Babylon

The place

Babylon

أصابعٌ على الجِدار

مَنَا، مَنَا، تَقِيل، وُفَرسِين — الليلةُ التي كتبَت فيها يدٌ مجهولة حُكمَ الإعدام على إمبراطوريَّة بابل

October 12, 539 BCE -- the night Babylon fell to PersiaBabylon

حقيقةٌ تستحقّ أن تَسلُبَ النومَ من كلِّ صاحب سُلطة: أعظمُ إمبراطوريّة في العالم القديم لم تسقط في حرب. سقطت في حفلة. في ليلة الثاني عشر من أكتوبر سنة 539 قبل الميلاد، فُتحت بابل — أكثر مدينةٍ تحصيناً عرفها البشر، بأسوارٍ يمكن أن تتسابق فوقها العربات — بينما حُكّامُها يتمايلون سُكراً. الفُرسُ على الأبواب. وفي الداخل؟ الكؤوس تُملأ حتّى آخرها.

لكنَّ المشكلة الحقيقيّة لم تكن العدوَّ خارج الأسوار، بل المَلِكَ الذي هَجَرَ عاصمته. نَبونائيد، آخر ملوك بابل، كان قد غادرَ قبل عَقدٍ كامل ليعيش في واحة تَيْماء، على بُعد ألف كيلومتر وسط الصحراء. ترك ابنه بَلشَصَّر يتولّى شؤون الحكم وحده. أقدسُ عيدٍ في حياة البابليّين — الاحتفال الذي يُجدِّد شرعيّةَ المَلِك — لم يُقَم عشرَ سنوات. الكَهَنة في غضب. الناس في رُعب. وفارسُ تقترب.

في تلك الليلة الأخيرة، أقام بَلشَصَّر وليمةً فاخرة لألف نبيل. ثمّ ارتكبَ فِعلةً سيتردّد صداها عبر التاريخ: أمرَ الخَدَمَ بإحضار كؤوس الذهب والفضّة التي كان نَبوخَذنَصَّر — أعظم ملوك بابل — قد نهبَها من هيكل سليمان في القدس قبل نحو خمسين عاماً. أوانٍ مُقدَّسة مُكرَّسة لإله بني إسرائيل. بَلشَصَّر وضيوفه شربوا منها كأنّها أكوابٌ عاديّة، وهم يرفعونها تحيّةً لآلهة الذهب والحجر.

وعندها وقعَ ما لا يُصدَّق. يدٌ بشريّة — بلا ذراعٍ، بلا جسد، أصابعُ فقط — ظهرت من العدم وبدأت تخطّ على جدار القصر. رآها بَلشَصَّر بعينيه. ابيَضَّ وجهُه. خارت ركبتاه. صرخَ يستدعي كلَّ حكيمٍ ومُنجِّمٍ في بابل، ووعدَ بالثروة والسُّلطة لمَن يفكّ تلك الكلمات. لم يستطع أحد.

أخيراً، تذكَّرَ أحدُهم دانيال — المَنفيُّ اليهوديّ الذي جاؤوا به إلى بابل صبيّاً قبل ستّةٍ وستّين عاماً، وصار اليوم شيخاً كبيراً. دخلَ دانيال، رفضَ المُكافآت، وقرأ ما على الجدار: مَنَا، مَنَا، تَقِيل، وُفَرسِين. كلماتٌ آراميّة تعمل على مستوَيَين. ظاهرُها أوزانٌ تتناقص — مينا، شيقل، نصف مينا — ترسم انحدارَ ملوك بابل. وباطنُها حُكمُ إعدام: أُحصِيَ. وُزِنَ. قُسِمَ. مملكتُكَ انتهت، وفارسُ تأخذها الليلة.

في تلك الليلة نفسها، نفَّذَ قورُش الكبير خُطّته. أمرَ مهندسيه بتحويل مجرى نهر الفُرات فوق المدينة. النهر كان يخترق بابل من جهةٍ إلى جهة، داخلاً وخارجاً عبر بوّاباتٍ في السور. حين انخفضَ منسوب الماء، سارَ الجنود الفُرس في المجرى الضحل، انزلقوا تحت بوّابات النهر التي لم يكن عليها حراسة، واستولَوا على المدينة من بطنها. سقطت بابل بلا ضربة سيف واحدة.

ماتَ بَلشَصَّر قبل شروق الشمس. ودخلَ قورُش بابلَ بعد سبعة عشر يوماً — لا مُدمِّراً، بل مُحرِّراً. أعاد بناءَ المعابد المُهمَلة، أكرمَ الآلهة المحلّيّة، وأصدرَ مرسوماً غيَّرَ التاريخ: لليهود المَنفيّين أن يعودوا ويُعيدوا بناءَ هيكلهم في القدس. السَّبيُ البابليّ — نحو خمسين عاماً من النفي — انتهى. والكؤوسُ التي شرب منها بَلشَصَّر في ليلته الأخيرة ستعود إلى المدينة التي سُرقت منها.

يقولون: إمهالٌ لا إهمال — اللهُ يُمهِلُ ولا يُهمِل. في تلك الليلة في بابل، انتهى الإمهال وظهرَ الحسابُ مكتوباً على الحائط. ليس صُدفةً أنّ عبارة «الكتابة على الجدار» صارت مِن أشهر التعبيرات في كلّ لغة. لأنّها تُجسِّد لحظةً يعرفها كلُّ إنسان: لحظة ما قبل الانهيار، حين تكون العلاماتُ في كلّ مكان والحُكّام مشغولون بالاحتفال. الإمبراطوريّات لا تُعلن نهايتَها. تُقيم الولائم. تشرب من كؤوس ذهبيّة. وفي مكانٍ ما، بكلماتٍ يرفضون قراءتَها، يكون الحُكم قد صدر.

عبرة القصة

الإمبراطوريّات لا تُعلن نهايتَها. تُقيم الولائم. تشرب من كؤوسٍ ذهبيّة. تَعُدّ أسوارَها وتُقنع نفسَها بأنّ ما صمدَ قروناً لا يمكن أن يسقط في ليلة واحدة. لكنّ التاريخ يحتفظ بحسابه، وكلّ مملكةٍ تُوزَن في الميزان — مَنَا، تَقِيل، وُفَرسِين — أُحصِيَت، وُزِنَت، قُسِمَت. الحُكم دائماً مكتوبٌ على الجدار. السؤال الوحيد: هل هناك من يَصحو ليقرأَه؟

الشخصيات

B
Belshazzar -- crown prince of Babylon, regent in his father's absence
N
Nabonidus -- the last king of Babylon, absent in Tayma for a decade
D
Daniel -- Jewish exile who read the mysterious writing
C
Cyrus the Great -- Persian king whose army conquered Babylon in a single night
G
Gobryas (Ugbaru) -- Persian general who entered Babylon through the dry riverbed

المصدر

Daniel 5 (biblical account of Belshazzar's feast); The Nabonidus Chronicle (BM 35382, British Museum); The Cyrus Cylinder (BM 90920, British Museum); Herodotus, Histories I.191 (fall of Babylon); Xenophon, Cyropaedia VII.5 (festival and river diversion); The Verse Account of Nabonidus (BM 38299); Beaulieu, Paul-Alain. The Reign of Nabonidus, King of Babylon 556-539 B.C., Yale University Press, 1989; Kuhrt, Amélie. 'The Cyrus Cylinder and Achaemenid Imperial Policy,' Journal for the Study of the Old Testament 25, 1983; Collins, John J. Daniel: A Commentary on the Book of Daniel, Fortress Press, 1993