كُلَّ تِسْعِ سَنَوات، كانَت أثينا تَدْفَعُ ثَمَناً لا يُطاق. أربَعَةَ عَشَرَ شابّاً — سَبْعَةُ فِتْيانٍ وسَبْعُ فَتَيات — يُساقونَ إلى كريت لِيَلْتَهِمَهُم المينوتور، مَخْلوقٌ نِصْفُهُ رَجُلٌ ونِصْفُهُ ثَوْر، يَقْبَعُ في متاهةٍ تَحْتَ قَصْرِ كنوسوس. مَنْ دَخَلَها لَمْ يَخْرُجْ. هذا ثَمَنُ حَرْبٍ خَسِرَتْها أثينا أمامَ المَلِكِ مينوس. يَقولونَ «ما بَعْدَ الثالِثةِ إلّا النار» — وعِنْدَ الجِزْيَةِ الثالِثة، كانَ ثيسيوس هُوَ النار. قالَ لِأبيهِ المَلِكِ إيجيوس: سأذْهَبُ بِنَفْسي. وسأقْتُلُه.
تَوَسَّلَ إليهِ أبوهُ ألّا يَذْهَب. لكنَّ ثيسيوس لَمْ يَتَراجَعْ. قَبْلَ أنْ تُبْحِرَ السَّفينة، طَلَبَ مِنْهُ إيجيوس وَعْداً واحِداً: السَّفينةُ سَتُبْحِرُ بأشرِعَةٍ سَوْداء — لَوْنِ الحِداد. إنْ نَجا ثيسيوس، فَلْيُبَدِّلْها بأشرِعَةٍ بَيْضاء، حتّى يَراها أبوهُ مِنْ أعالي الصُّخور قَبْلَ أنْ تَصِلَ السَّفينةُ المِيناء. أقْسَمَ ثيسيوس أنَّهُ سَيَفْعَل. ثُمَّ أبْحَرَ نَحْوَ كريت.
في كريت، ساقوا الأسرى أمامَ المَلِكِ مينوس وحاشِيَتِه — مَوْتى يَمْشون، لا أكْثَر. لكنَّ عَيْنَيْنِ في الحَشْدِ لَمْ تَسْتَطِعا أنْ تَنْظُرا بَعيداً. أَريادني، ابنَةُ المَلِكِ نَفْسِه، رَأَتْ ثيسيوس فَوَقَعَ قَلْبُها. كانَ واقِفاً مُنْتَصِباً، غَيْرَ مُنْكَسِر، يَتَحَدّى حتّى وهُوَ في القُيود. تِلكَ اللَّيْلة، تَسَلَّلَتْ إلى زِنْزانَتِه تَحْمِلُ هَدِيَّتَيْن سَتُغَيِّرانِ كُلَّ شَيْء: سَيْفٌ حادّ وكُبَّةُ خَيْط.
خُطَّتُها كانَت بَسيطةً بَساطةَ العَبْقَريّة. قالَت لَهُ: «اِرْبِطِ الخَيْطَ عِنْدَ مَدْخَلِ المتاهة. كُلَّما تَوَغَّلْتَ، أرْخِهِ خَلْفَك. حينَ تَقْتُلُ الوَحْش، اتَّبِعِ الخَيْطَ لِلْعَوْدة.» لَمْ يُفَكِّرْ فيها أحَدٌ مِنْ قَبْل — أوْ رُبَّما لَمْ يُحِبَّ أحَدٌ أسيراً بِما يَكْفي لِيُحاوِل. في المُقابِل، أقْسَمَ لها ثيسيوس أنَّهُ سَيَأخُذُها إلى أثينا ويَجْعَلُها مَلِكَتَه. راهَنَت بِكُلِّ شَيْءٍ على غَريب. وأعْطاها كَلِمَتَه.
عِنْدَ الفَجْر، رَبَطَ ثيسيوس الخَيْطَ عِنْدَ المَدْخَل ودَخَلَ في ظَلامٍ مُطْلَق. طُرُقٌ مَسْدودة، مُنْعَطَفاتٌ كاذِبة، مَمَرّاتٌ تُعيدُكَ مِنْ حَيْثُ بَدَأْت — المتاهةُ صُمِّمَت لِتُحَطِّمَك. واصَلَ التَّقَدُّم والخَيْطُ يَنْسَحِبُ خَلْفَه، حَبْلُ نَجاتِهِ الوَحيد. في أعْمَقِ غُرْفة، وَجَدَ المينوتور. كانَتِ المَعْرَكَةُ ضارِية — الوَحْشُ يَنْطَحُ بِقُرونِهِ وَيَزْأر. لكنَّ ثيسيوس كانَ يُقاتِلُ عَنْ كُلِّ شابٍّ أرْسَلَتْهُ أثينا لِيَموت هُنا. غَرَسَ السَّيْفَ في قَلْبِ الوَحْش. ثُمَّ — صَمْت.
تَبِعَ الخَيْطَ عائِداً عَبْرَ الظَّلام حتّى خَطا في ضَوْءِ النَّهار، حَيْثُ كانَت أَريادني تَنْتَظِر. حَرَّروا بَقِيَّةَ الأسرى، رَكَضوا إلى المِيناء، وأبْحَروا نَحْوَ أثينا. أَريادني كانَت تَظُنُّ أنَّها في طَريقِها إلى حَياتِها الجَديدة كَمَلِكة. لكنَّها كانَت مُخْطِئة. في جَزيرةِ ناكسوس، تَرَكَها ثيسيوس خَلْفَه. هَلْ نَسِيَها؟ هَلْ مَلَّها؟ هَلْ أمَرَتْهُ الآلِهة؟ لا أحَدَ يَعْرِف. اسْتَيْقَظَت وَحْدَها على شاطِئٍ مَهْجور، تُراقِبُ سَفينَتَهُ وهِيَ تَتَلاشى في الأُفُق.
لكنَّ القِصَّةَ لَمْ تَنْتَهِ عِنْدَ دُموعِ أَريادني. الإلهُ ديونيسوس وَجَدَها على ذلكَ الشاطِئ، وَقَعَ في حُبِّها، وجَعَلَها زَوْجَتَهُ الخالِدة. أخَذَ التّاجَ مِنْ رَأسِها وقَذَفَهُ في السَّماء، فَصارَ مَجْموعَةَ نُجومٍ لا تَزالُ تُرى في لَيالي الصَّيْف — الإكْليلُ الشَّمالي. الفَتاةُ التي هَجَرَها بَطَل... تَزَوَّجَت إلهاً.
أمّا ثيسيوس، فَكانَ ثَمَنُ إهْمالِهِ أفْدَحَ مِمّا تَصَوَّر. في نَشْوَةِ النَّصْرِ — أوْ تَحْتَ ثِقَلِ الذَّنْبِ بَعْدَ ما فَعَلَهُ بأَريادني — نَسِيَ أنْ يُبَدِّلَ الأشرِعَةَ السَّوْداءَ بِالبَيْضاء. أبوهُ إيجيوس كانَ واقِفاً على صُخورِ رَأْسِ سونيون يُمَشِّطُ الأُفُقَ بَحْثاً عَنْ وَميضِ أبْيَض. بَدَلاً مِنْ ذلك، رأى أسْوَد. ظَنَّ أنَّ ابْنَهُ مات. فألقى بِنَفْسِهِ في البَحْرِ — البَحْرِ الذي لا يَزالُ يَحْمِلُ اسْمَهُ حتّى اليَوْم: بَحْرُ إيجة. البَطَلُ الذي قَتَلَ الوَحْش... عادَ لِيَجِدَ أنَّهُ قَتَلَ أباه.
