خَارِجَ أَسْوَارِ بُومْبِي، تَحْتَ أَطْنَانٍ مِنَ الرَّمَادِ البُرْكَانِيّ، كَانَتْ هُنَاكَ غُرْفَةٌ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُفْتَرَضِ أَنْ يَرَاهَا أَحَدٌ مَرَّةً أُخْرَى. لَكِنْ حِينَ كَشَفَ عَنْهَا عُلَمَاءُ الآثَارِ فِي مَطْلَعِ القَرْنِ العِشْرِين، وَجَدُوا مَا جَمَّدَهُمْ فِي أَمَاكِنِهِم: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ شَخْصِيَّةً بِالحَجْمِ الطَّبِيعِيّ، مَرْسُومَةً عَلَى جُدْرَانٍ بِلَوْنِ الدَّم، تُؤَدِّي خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ طَقْسَ دُخُولٍ إِلَى عِبَادَةٍ مُحَرَّمَة.
الرُّسُومَاتُ تَعُودُ لِحَوَالَيْ سِتِّينَ سَنَةً قَبْلَ المِيلَاد، وَتَلْتَفُّ حَوْلَ ثَلَاثَةِ جُدْرَانٍ وَكَأَنَّهَا فِيلْمٌ عَرِيض. تَبْدَأُ بِفَتَاةٍ شَابَّةٍ تَدْخُلُ مُحَجَّبَةً، خَائِفَةٌ بِوُضُوح. كَاهِنَةٌ تَقْرَأُ مِنْ لَفِيفَةٍ مُقَدَّسَة. صَبِيٌّ يَتْلُو كَلِمَاتٍ وَامْرَأَةٌ تُقَدِّمُ قُرْبَانًا. حَتَّى هُنَا، كُلُّ شَيْءٍ يَبْدُو طَبِيعِيًّا — طَقْسٌ رُومَانِيٌّ عَادِيّ. لَكِنَّ المَشْهَدَ التَّالِي يَقْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ رَأْسًا عَلَى عَقِب.
امْرَأَةٌ تَرْفَعُ قُمَاشَةً عَنْ سَلَّةٍ فَتَكْشِفُ شَيْئًا مَخْفِيًّا — عَلَى الأَرْجَحِ رَمْزٌ مُقَدَّسٌ لِدِيُونِيسُوس، إِلَهُ الخَمْرِ وَالجُنُونِ وَالنَّشْوَةِ عِنْدَ الإِغْرِيق. مَخْلُوقٌ مُجَنَّحٌ يَرْفَعُ سَوْطًا. الفَتَاةُ تَهْوِي عَلَى رُكْبَتَيْهَا شِبْهَ عَارِيَة، مُسْتَعِدَّةً لِلضَّرْبَة. وَبِجَانِبِهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى تَرْقُصُ بِجُنُونٍ فِي غَيْبُوبَةٍ تَامَّة. أَلَمٌ وَنَشْوَةٌ يَتَصَادَمَانِ وَجْهًا لِوَجْه.
وَهُنَا تَأْتِي المُفَاجَأَة. قَبْلَ رَسْمِ هَذِهِ اللَّوْحَاتِ بِأَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ كَامِل — فِي عَامِ ١٨٦ قَبْلَ المِيلَاد — أَصْدَرَ مَجْلِسُ الشُّيُوخِ الرُّومَانِيُّ قَرَارًا بِتَحْرِيمِ عِبَادَةِ بَاخُوس، الاسْمُ الرُّومَانِيُّ لِدِيُونِيسُوس. اتَّهَمُوا أَتْبَاعَهُ بِالتَّآمُرِ وَالفَسَادِ وَالقَتْل، ثُمَّ طَارَدُوهُمْ وَأَعْدَمُوا مِنْهُمُ الآلَافَ فِي أَنْحَاءِ إِيطَالِيَا. كَانَتْ مِنْ أَشْرَسِ حَمَلَاتِ الاضْطِهَادِ الدِّينِيِّ فِي تَارِيخِ رُومَا كُلِّه.
وَمَعَ ذَلِكَ، دَفَعَتْ امْرَأَةٌ — غَالِبًا رُومَانِيَّةٌ ثَرِيَّة — لِرَسْمِ هَذِهِ الطُّقُوسِ المَمْنُوعَةِ بِتَفَاصِيلِهَا الصَّارِخَةِ عَلَى جُدْرَانِ غُرْفَةِ طَعَامِهَا الخَاصَّة. مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّقْف. فِي بَيْتٍ يَدْخُلُهُ الضُّيُوف. إِمَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَمْلِكُ شَجَاعَةً لَا حُدُودَ لَهَا، أَوْ أَنَّ العِبَادَةَ تَوَغَّلَتْ فِي السِّرِّيَّةِ لِدَرَجَةٍ لَمْ تَعُدْ يَدُ السُّلْطَةِ تَطَالُهَا.
ظَلَّ البَاحِثُونَ يَتَجَادَلُونَ حَوْلَ هَذِهِ الجِدَارِيَّاتِ لِأَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ عَام. بَعْضُهُمْ يَقُولُ إِنَّهَا تَوْثِيقٌ حَقِيقِيٌّ لِطَقْسِ تَنْصِيب. آخَرُونَ يَرَوْنَهَا رَمْزِيَّةً — عَنْ رِحْلَةِ الرُّوحِ عَبْرَ الخَوْفِ وَالتَّحَوُّل. وَفَرِيقٌ ثَالِثٌ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا مُجَرَّدُ مَرَاسِمِ تَجْهِيزِ عَرُوسٍ ثَرِيَّة، بَالَغَتْ فِي اسْتِعْمَالِ الرُّمُوزِ الدِّينِيَّة. الحَقِيقَة؟ لَا أَحَدَ يَعْرِف.
وَهَذَا هُوَ بَيْتُ القَصِيد. سَمَّوْا هَذِهِ الطُّقُوسَ «الأَسْرَار» لِأَنَّ كُلَّ مَنْ شَارَكَ فِيهَا أَقْسَمَ أَلَّا يَنْطِقَ بِحَرْفٍ — لَا فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ مَمَاتِه. السَّبَبُ الوَحِيدُ الَّذِي يَجْعَلُنَا نَعْرِفُ أَيَّ شَيْءٍ عَنْهَا هُوَ أَنَّ بُرْكَانَ فِيزُوف ثَارَ سَنَةَ ٧٩ لِلمِيلَاد وَدَفَنَ هَذِهِ الغُرْفَةَ فِي ظَلَامٍ دَامَ أَلْفَيْ سَنَة. يَقُولُونَ «مَا خَفِيَ أَعْظَم» — وَفِي بُومْبِي، البُرْكَانُ الَّذِي مَحَا المَدِينَةَ هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي خَلَّدَ سِرَّهَا الأَعْظَم.
