تخيَّل أنّ أعرقَ وسامِ فُروسيّةٍ على وجهِ الأرض وُلِدَ... من فَضيحةٍ على حَلَبةِ رقص. سنة ١٣٤٨، مَلِكُ إنجلترا إدوارد الثالث — المُحارِبُ الذي هَزَمَ فرنسا في مَعركةِ كريسي — يُقيمُ حفلًا ضخمًا في قلعتِه. القاعةُ مُكتظّةٌ بالفُرسانِ والنُّبلاء، النبيذُ يَسيل، والموسيقى تَصدَح. ثمّ يحدُثُ ما لم يتوقَّعهُ أحد.
على حلبةِ الرقصِ تتمايَلُ جون — الحَسناءُ المعروفةُ بأجملِ نساءِ إنجلترا، والمرأةُ التي يُشاعُ أنّ المَلِكَ نفسَهُ مَفتونٌ بها. وفجأةً، يَنزلِقُ رِباطُ ساقِها — شَريطٌ حَريريٌّ كانت النساءُ يَشدُدنَهُ تحتَ الرُّكبةِ لِتَثبيتِ الجَوارِب — ويَسقُطُ على الأرضِ أمامَ الجَميع. في القرنِ الرابعَ عشر، كان رِباطُ الساقِ من الملابسِ الحَميمة. رؤيتُهُ علنًا كانت فضيحة. انفجرت القاعةُ بالضَّحِك.
وهُنا فَعَلَ إدوارد ما لم يَخطُر على بالِ أحد. مشى عبرَ القاعة، انحنى، والتقطَ الرِّباط. صَمَتَ الجميعُ صَمتَ القبور. نظرَ في وجوهِ المُستهزئينَ واحدًا واحدًا، ثمّ ربطَ الشَّريطَ الحريريَّ الأزرقَ حولَ ساقِهِ هو. وقالَ بالفرنسيّةِ ستَّ كلماتٍ ستتردَّدُ سبعةَ قرون: «هوني سوا كي مال إي بانس» — عارٌ على مَن يُسيءُ الظَّنّ.
بحركةٍ واحدةٍ قَلَبَ المَشهدَ رأسًا على عَقِب. ما كان إذلالًا لامرأةٍ صارَ تحدِّيًا من مَلِك. أعلنَ أنّ هذا الرِّباطَ سيصيرُ رمزًا لوسامِ فُروسيّةٍ جديد — وسامٌ من عَظَمَتِهِ أنّ كُلَّ مَن ضَحِكَ سيتمنّى يومًا أن يرتديَه. وكما تقولُ العرب: رُبَّ ضارّةٍ نافعة — لكنّ أحدًا لم يتخيَّل أنّ الضّارّةَ ستكونُ رِباطَ ساقٍ، والنّافعةَ ستدومُ سبعمئةِ عام.
بنى إدوارد وسامَهُ على أسطورةِ المَلِكِ آرثر وطاولتِهِ المُستديرة — وفي ذلك الزمن، كان الناسُ يأخذونَ أساطيرَ آرثر على محمَلِ الجِدّ. حدَّدَ العضويّةَ بأربعةٍ وعشرينَ فارسًا كدائرةِ آرثر الأسطوريّة، واختارَ قلعةَ وِندسور مَقرًّا. لكنّ هؤلاءِ لم يكونوا فُرسانَ بَلاط. كانوا أشرسَ مُقاتِلي إنجلترا — وعلى رأسِهِم ابنُ المَلِك، الأميرُ الأسوَد، أشدُّ محاربي أوروبّا بأسًا. هذا شَرَفٌ يُنتَزَعُ في المعركة، لا على مَوائدِ العَشاء.
المقرُّ الرُّوحيُّ للوسامِ هو كنيسةُ القدِّيسِ جورج في وِندسور — تحفةٌ قوطيّةٌ مَهيبةٌ دُفِنَ فيها عشرةٌ من مُلوكِ إنجلترا ومَلِكاتِها. مقاعدُ خشبيّةٌ منحوتةٌ تَحمِلُ شِعاراتِ كُلِّ فارسٍ نالَ الوسامَ منذ ١٣٤٨، وفوقَها تتدلّى راياتٌ مُلوَّنة. وكلَّ يونيو، يَسيرُ الفرسانُ الجُدُد بأرديةٍ مخمليّةٍ زرقاءَ طويلةٍ وقُبَّعاتٍ تُتوِّجُها ريشاتٌ بيضاء. والجُمهورُ لا يزالُ يهتِف. التقليدُ لم ينقطِع قطّ.
والأعجب: حتّى اليوم، وسامُ رِباطِ السّاقِ هِبةٌ شخصيّةٌ من العاهلِ البريطانيّ وحدَه — لا رئيسَ وزراء، ولا لجنة، ولا سياسة. فقط المَلِكُ أو المَلِكةُ يقرِّرانِ مَن يستحقّ. وِنستون تشرشل حَمَلَ هذا الوسام. وكذلك دوق ولنغتون الذي هزمَ نابليون. كلُّ هذا يعودُ إلى لحظةٍ واحدةٍ على حلبةِ رقص — مَلِكٌ حوَّلَ خَجَلَ امرأةٍ إلى أرفعِ وسامٍ في البلاد، وتحدّى أيَّ أحدٍ أن يَنبِسَ ببِنتِ شَفَة.
