على دَرَج تخت جمشيد، نُقِشَ أسدٌ يغرز أنيابَه في ثور. ليس زخرفةً — بل تقويمٌ محفورٌ في الحجر. حين يصعد بُرج الأسد ويغيب الثَّور، يتساوى الليلُ والنهار تماماً: تلك لحظة النَّوروز — «اليوم الجديد» — رأس السنة الفارسيّة الذي يُحتفَل به دون انقطاعٍ منذ ألفين وخمسمئة عام. لم يبنِ داريوس الأكبر هذا القصرَ ليحكُم منه، بل ليحتفيَ بلحظة ميلاد العالَم من جديد.
في الشاهنامه، ملحمة الأدب الفارسيّ، ملكٌ اسمه جمشيد علَّم البشرَ كلَّ شيء: النَّسيجَ والطبَّ وصَهرَ المعادن. أمرَ الشياطينَ فبنَوا له عرشاً مُرصَّعاً بالجواهر، وحملوه إلى السماء. حين سقط نور الشمس على العرش، غمرَ الضياءُ الأرضَ كلَّها، فصاح الناس: «هذا يومٌ جديد!» حكمَ جمشيد ثلاثمئة سنةٍ توقَّفَ فيها الموتُ نفسُه. ثمّ أهلكَه الكِبر — ادَّعى الألوهيّة، ففارقَه مجدُه الإلهيّ على هيئة صقر.
العِبرة منقوشةٌ في صُلب الأسطورة: العيدُ بقيَ، لكنّ الملكَ الذي ادَّعى ما ليس له دُمِّر. النَّوروز مُلكٌ للأرض لا لحاكم. على تلك الأدراج صعدت وفودٌ من ثلاثٍ وعشرين أمّة تحمل هدايا الربيع إلى داريوس — لَبُؤاتٌ مع أشبالها، وخيولٌ، وتِبرٌ، وعاج.
بعد ثلاثةٍ وعشرين قرناً، في عام ١٩٧١، أقام آخر شاهات إيران أبذخَ حفلٍ شهده العصر الحديث — عند أطلال تخت جمشيد ذاتها. خمسون خيمةً فاخرة. عشاءٌ أعدَّه طهاة «ماكسيم» الباريسيّ. تسعةٌ وستّون رئيسَ دولة. رفع الشاه كأسَه تحيّةً لكورش الكبير، بينما كان أغلب الإيرانيّين يرزحون تحت الفقر. بعد ثماني سنوات، اقتلعته الثورة.
لكنّ النَّوروز لم يمُت. لم يقتله الإسكندر حين أحرق تخت جمشيد. ولم يُطفِئه الفتح العربيّ. ولا المغول. ولا حتّى ثورة ١٩٧٩ — فقد سيطر آيات الله على المساجد، لكنّهم لم يستطيعوا أن يسيطروا على الاعتدال الربيعيّ. يقولون «كلّ ملكٍ إلى زوال» — لكنّ النَّوروز ليس مُلكاً لأحد، بل دورانُ الأرض نفسها.
اليوم يحتفل بالنَّوروز ثلاثمئة مليون إنسان — من كردستان العراق إلى سهوب آسيا الوسطى. صباحَ الاعتدال، تجتمع العائلات حول مائدة «هفت سين»: سبعة أشياء تبدأ بحرف السين. قمحٌ نابت رمزاً للبعث. ثومٌ للصحّة. تفّاحٌ للجَمال. خَلٌّ للصبر. ومرآةٌ وسمكةٌ ذهبيّة وديوان شِعر.
في كردستان العراق، يُشعلون النيرانَ على قمم الجبال ليلة النَّوروز، فتمتدّ سلسلةٌ من اللهب عبر الأفق كأنّ الأرضَ تُعلن أنّها لا تزال حيّة. النَّوروز هناك ليس مجرّد عيد — إنّه إعلانُ هُويّةٍ ومقاومة.
في تخت جمشيد، لا يزال الأسدُ يعضّ الثَّور. ولا يزال الاعتدال يأتي. وثلاثمئة مليون إنسانٍ لا يزالون يُعلنون: العالَمُ جديد. العالَمُ يُولَدُ من جديد.
