Skip to main content
الضائع والمُكتشَف·3/7·3
Photograph of Delphi - Sanctuary of Apollo & Oracle

The place

Delphi - Sanctuary of Apollo & Oracle

النبوءة الأخيرة — حين صَمَتَ الإله

حين أُسكِتَ صوتُ أبولّو إلى الأبد

393 CEDelphi - Sanctuary of Apollo & Oracle

لأكثرَ من ألف عام، لم يكن في العالَم القديم صوتٌ أقوى من صوت عرّافة دِلفي. ملوكٌ وقادة جيوش وناسٌ عاديّون — كلّهم قطعوا مسافاتٍ شاسعة إلى هذا المعبد المُعلَّق بين جبال وسط اليونان، يسألون عن الغد. الكاهنة «بيثيا» كانت تجلس فوقَ شَقٍّ في الصخر، تَستنشق أبخرةً تتصاعد من أعماق الأرض، ثمّ تنطق بنبوءاتٍ رَسَمَت مصيرَ حروبٍ وحضاراتٍ بأكملها. استمرّ هذا أكثرَ من ألف سنة — حتّى عام 393 ميلاديًا، حين نَطَقَت للمرّة الأخيرة.

الذي أسكَتَها كان الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل — أوّل حاكمٍ رومانيّ يَفرض المسيحيّة دينًا وحيدًا للإمبراطوريّة. في عام 391 ميلاديًا، أصدرَ مرسومًا يَحظُر كلّ عبادة وثنيّة في أرجاء العالَم الرومانيّ. كلّ قُربان، كلّ طقس، كلّ معبد. الجنود أغلقوا المعابد من مصر إلى بريطانيا. الكهنة تبعثَروا. الكنوز المقدّسة صُهِرَت أو نُهِبَت. وبعد قرونٍ من الأفول البطيء، كانت دِلفي على وشك أن تخسرَ آخرَ ما أبقاها حيّة.

تقول الروايات إنّ ثيودوسيوس أرسلَ مبعوثًا أخيرًا إلى العرّافة — لا أحدَ يعرف إن كان يريد أن يَشمَت بدينٍ يَحتضِر، أم أراد اعترافًا رسميًّا بأنّ عصرَ الآلهة القديمة انتهى. آخرُ بيثيا نزلت إلى الغرفة تحت المعبد للمرّة الأخيرة. صعدت على الحامل الثلاثيّ المقدّس. استنشقت الأبخرة الصاعدة من باطن الأرض. ثمّ تكلَّمَت.

«قولوا للمَلِك: المعبدُ العظيمُ سَقَطَ إلى التراب. أبولّو بلا مأوى، بلا غارٍ مقدّس، بلا نبعٍ ينطق. ماءُ الحكمة... جَفّ.»

لا ألغاز. لا رموز. لا كلام مُلتوٍ كعادة النبوءات. مجرّد إلهٍ — على لسان آخر كاهنةٍ له — يعترف أنّ كلّ شيء انتهى. أُطفِئت النيران المقدّسة التي لم تنطفئ منذ قرون. أُغلِقت أبواب المعبد للمرّة الأخيرة. وأشجار الغار التي أحاطت بالمكان لألف عام ذَبُلَت وماتت ببطء.

يقولون «دوامُ الحالِ مِنَ المُحال» — وقد صَدَقوا. الصمتُ استقرَّ ولم يُكسَر. حاول بعضهم في القرون التالية إعادة إحياء العرّافة، لكنّ شيئًا لم ينجح. دِلفي — التي كان اليونانيّون يسمّونها «سُرّة العالَم» لاعتقادهم أنّها مركز الأرض بالضبط — صارت مجرّد أطلالٍ على سفحِ جبلٍ يونانيّ. الحُجّاج صاروا سُيّاحًا. والأدعية صارت صُوَرًا فوتوغرافيّة.

لكنّ شيئًا بَقِي. العرّافة سَكَتَت، لكنّها لم تتوقّف عن الكلام فعلًا. العبارتان المحفورتان فوقَ مدخل المعبد — «اعرِف نفسَك» و«لا إفراط في شيء» — صارتا من أعمدة الفلسفة الغربيّة، ولا تزالان تُقتبَسان بعد أكثر من ألفَي عام. وفكرة أنّ هناك مكانًا يمكنك أن تذهبَ إليه لتسأل أكبرَ أسئلة الحياة؟ هذا الشعور حيٌّ في كلّ دين، وفي كلّ بحثٍ عن معنى، وفي كلّ سهرة متأخّرة يسأل فيها أحدهم: ما الهدف من كلّ هذا؟

الإله صَمَت. لكنّ الأسئلة التي حملها الناس إلى بابه — عن القَدَر والحرّيّة، عن معنى الوجود، وعمّا ينتظرنا بعد كلّ هذا — تلك الأسئلة لم تختفِ يومًا. هي نفسُها التي ما زلنا نسألها.

عبرة القصة

كلّ شيءٍ ينتهي — حتّى أصوات الآلهة. لكنّ الحكمة إذا قيلَت مرّة واحدة، يظلّ صداها يتردّد إلى الأبد. العرّافة سكتت، لكنّ ما علَّمَته باقٍ.

الشخصيات

آ
آخر بيثيا (الكاهنة الأخيرة لأبولّو)
ا
الإمبراطور ثيودوسيوس الأوّل
أ
أبولّو

المصدر

Philostorgius’s Church History (quoted by Photius), Cedrenus’s Compendium of History, Sozomen’s Church History